RSS

The Discreet Charm of the Bourgeoisie (1972)


الإسباني لويس بونويل في فيلمه الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي يأخذنا برحلة سريالية داخل عقول شخصياته، نجول بين أحلامها وكوابيسها المتداخلة فيما بينها والمتشابكة مع الواقع بطريقة يصعب التمييز بينها، الذكاء في منجز بونويل هو في قدرته على خداع المشاهد، العمل لديه خطط قصصي واضح، القصة ليست عشوائية، تبدأ بطريقة اعتيادية قصة مشوقة عن ستة أصدقاء يحاولون قضاء سهرة عشاء وفي كل مرة يحصل معهم موقف غرائبي يعيق مشروعهم، الأمور بالتدريج تزداد تشويشاً وإرباكاً وتتعرض القصة للتخلخل عندها يدرك المشاهد أن كل ما كان يراه سلسلة أحلام ولم يعلم متى تبدأ ومتى تنتهي وإلى مدى هي حقيقية وخيالية، هو تجسيد سينمائي ممتاز جداً لترجمة الحلم او الكابوس، لا اظن احد جارا بونويل فيها سوا ديفيد لينش، الحلم يبدأ من المنتصف بطريقة اعتيادية مستنداً إلى حدث حقيقي، ثم تأخذ الأمور مساراً غرايبياً يختل معها مفهوم الواقع، يتورط معها الحالم - أو المشاهد هنا - لا يعرف كيف يفسرها أو يتفاعل معها ولا يدرك أنه كان يحلم إلا بعد الاستيقاظ.
بونويل لا يكتفي بجعل فيلمه تحليل لمفهوم الحلم بل يجعله بوابة لفهم عقلية الحالم ومنه لفهم طبيعة طبقة اجتماعية من المتنفذين المنافقين الذين اعتاد بونويل مهاجتهم بأعماله، لذلك يتسع من دائرة الشخصيات الرئيسية الستة (الصحبة) إلى شخصيات أكثر تنوعاً، يدخلنا بونويل إلى لاوعي تلك الشخصيات، يرينا أن الجميع لديه جانب يخفيه، حقيقة وحشية أو وضيعة لا يظهرها، الجميع يعيش أسير مخاوفه وماضيه وهمومه، الجميع يخاف من شيء ويحلم بشيء لن يحدث.
في رحلة بونويل سنرى قساً يحلم بالانتقام ولا يستطيع الغفران، رجل قانون يعيش بعالم خيالي من المغامرات التي تجسد رجال السلطة كزومبي ساديين يتلذذون بالقتل وخرق القانون، وسفير يستغل حصانته ليصبح صاحب الكلمة العليا في البلد التي يمثل بها رداً على العنصرية والاستخفاف التي يُعامل بها، ويؤرقه دوماً كابوس عن إرهابيين من بلده (ثوار) يطاردونه لاغتياله، ورجل برجوازي يشعر أنه تحت المجهر ودمية بيد غيره، أشخاص يلتقون بأحبائهم بعد الموت، آخرون تسيطر عليهم عقد الطفولة، وغيرهم يخوض مغامرات جنسية بلا ضوابط، وبعضهم يحلم بالشباب الدائم.
في عمق هذه الأحلام وتلك العلاقات المتداخلة يكشف بونويل إلى حد تشكل الطبقة البرجوازية خطراً على المجتمع ومنبعاً للفساد والفوضى فيه، هم أباطرة المخدرات وتجار الحروب، هم أصل الديكتاتورية والفساد ورعاة القمع، هم المتحكمين بالدين ومصائر شباب يرمونهم بحروب ومعارك غرضها الوحيد زيادة سلطتهم وثروتهم، علاقاتهم منحطة، مشاعرهم باردة، لا يتفاعلون مع مصائب الآخرين ولا تهمهم.
الفيلم هو هجاء عميق لعلاقة المجتمع الغربي بدول العالم الثالث، تدخله بتلك الدول دون أن يفهمها أو يهمه أن يفهمها، وزرعه للفوضى والعنف فيها تحت مسمى نشر الحرية ووأديه لأي حرية حقيقية فيها ومعاملة الشرفاء على أنهم مجرمين حتى داخل بلدانهم، بونويل تنبؤي بهذا العمل، يحذر من أن الفوضى التي يزرعها الغرب في الخارج سترتد عليه ولكنه بنفس الوقت تشاؤمي وساخر، فتلك الطبقة البرجوازية تعرف كيف تحمي نفسها وجعل غيرها يدفع ضربائها وأن تبقى - كما اثبت التاريخ دوماً - محصنةً من العقاب وهذا هو السحر الخفي للبرجوازية، القدرة على الإفلات من كل الخطايا والجرائم.
ولكن أين العدالة بهذه التركيبة؟ هل من المنطقي أن يبقى المجرمون بلا عقاب؟ بونويل يصنع جحيماً خاصاً لتلك الطبقة، جحيماً في عقولهم وأحلامهم، حين تختفي كل الضجة والصخب وتنحسر الأضواء سيتهاجمهم الكوابيس وسيظيهم عقلهم عقاباً قاسياً لا رحمة فيه.
١٠/١٠

tag

Fanny & Alexander - 1982


ربما هي التحفة الأخيرة لبيرغمان الذي شغل السينما لثلاث عقود سابقة بأسئلته الوجودية التي حيرت جمهوره وعبّرت عن موجة التغييرات الفكرية التي اجتاحت أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، بفيلمه هذا يعود إلى أيام صباه ويستلهم أحداثه من ذكرياته عن عائلته وتحديداً علاقته بوالده القس المتشدد الذي حوله بالعمل إلى زوج أمه، عمله هذا قدمه للإجابة على الأسئلة التي طرحها جمهوره دوماً عن جذور أزماته الوجودية، أساس عقليته الفنية ونبوغه الفكري.
نقل شخصية والده إلى مرتبة زوج الأم بالعمل ليس فقط نوع من تصفية حساب متأخر بقدر ما هو تعبير عن ارتباط عميق وذكي بين حياته الخاصة وشغفه بمسرح شكسبير وتحديداً مسرحية هاملت، تلك الأخيرة حاضرة بقوة بالفيلم ويستغلها ليقدم إسقاطات عبقرية على القصة، تتلبس شخصية إلكساندر روح هاملت، يعتبر زواج والدته (الممثلة المسرحية المعتزلة) من القس المتشدد (النقيض عن كل ما يمثله والده) نوع من الخيانة لذكرى والده (المخرج المسرحي المتوفي بعد أصابته بأزمة صحية أثناء تحضيره لمسرحية هاملت)، بالأخص أنه يحاربه بكبح خياله الذي يشكل قصص ويعتبره خطيئة يعاقيه عليها، رغم إن القصص الخيالية اليي يصنعها هي المهرب الوحيد له من عالمه هذا والنهاية المحيرة الفنتازية لم تكن سوى تعبير عن إن إلكساندر (أو بيرغمان) هرب من الواقع إلى الخيال وسكنه وعاد إلى الحياة في الخيال - سواء مسرح أو سينما - بعد أن مات الفتى بتأثير القسوة.
كما في هاملت فإن شخصية إلكساندر تناجي روح والده، ولكن المناجاة هنا ليس لكشف حقائق واستلهام القوة للانتقام بقدر ما هي وسيلة تواصل مع العالم الماورائي لطرح الأسئلة الوجودية الأولية التي تشكلت بعقلية فتى تدمر عالمه، حول الحكمة من كل شيء وحقيقة وجود الرّب والمعنى من وراء أفعاله وأقداره.
هو فيلم مؤلم جداً - ككل أفلام بيرغمان - ربما هو الأطول بمسيرته ولكن ورغم الألم الذي يحويه والهدوء المعتاد المصنوع به إلا أنه قادر على جذب الاهتمام ومحبوك ومضبوط الإيقاع بطريقة تفوق بها السويدي الراحل على نفسه، جميع الشخصيات حتى الثانوية مكتوبة ومقدمة بطريقة ممتازة والأحداث جميعها محبوكة بطريقة جيدة وتقود إلى العقدة الرئيسية بأسلوب تصاعدي دون أي اهتزاز لنصل إلى تتابعات في النهاية تشد أعصاب المشاهد ومتوازية مع المغزى والعمق الفكري الذي يطرحه، حتى جرعة الألم المرّة التي يطرحها تأخذ الطريق التصاعدي فيبدأ بجو مريح جداً قبل أن نغرق تدريجاً بالدراما القاتمة التي يقدمها.
الحدث المزلزل الذي يهز أركان الشخصيات (احتضار الأب ووفاته) يعطيه بيرغمان حقه كاملاً من التفاصيل، يبدو مقدماً بأسلوب ومضات من الذاكرة وكأن كل التفاصيل الدقيقة لذلك اليوم وذلك المكان الذي شهد تلك الصدمة هي ضربات شفرة تركت أثرها عميقاً بنفوس شخصيتي فاني وإلكساندر، وتلك الحالة القاسية من التشبع بالحدث والألم ليست فارغة أو غايتها الألم لمجرد الألم ومعايشة إحساس الشخصيات، هي مهمة لأنها أساس التحولات التي تمر بها الشخصيات ومبرر لكل تصرفاتها اللاحقة وتفاعلها مع واقعها الذي هوى من السماء إلى الأرض.
في العمق لا يبدو إن الغرض مما يقدمه بيرغمان فقط قصة تفاعل شخصيتي فاني وإلكساندر مع التغييرات بحياتهما بقدر ما الغرض منه هو تقديم مفهوم الواقع وعلاقته بالإنسان، فأحداث العمل مروية بالتوازي من منظورين، منظور الراشد ومنظور الفتى القاصر، في النصف الأول من العمل تكون الشخصيات القاصرة ثانوية الحضور والتأثير أما الراشدة هي المتصدرة للمشهد ولا يبدو واقعها مثالياً، هي تعاني من مشاكل وخيبات تحطم الأحلام وفقدان الثقة بالذات وضياع الشغف والوهن الجسدي وأزمة منتصف العمر والحسرة على الحب الضائع، بالمقابل يبدو هذا الواقع المخيب بالنسبة للراشدين مثالي بالنسبة للفتية الصغار المستمتعين بتفاصيل صغيرة ولكن بغاية الأهمية بالنسبة لهم والتي تشكل واقعاً مثالياً رغم أنه بالحقيقة كاذب وهش ولكن لا يدركون ذلك حتى يضربهم واقع الكبار بقسوته، الهزائم والإنكسارات التي تصيب عالم الكبار يصل ارتدادها إلى عالم الصغار وتحطمه وتعيد تركيبه، وهنا يقلب بيرغمان أدوار البطولة في النصف الثاني من عمله، ينتقل الفتية من الأدوار الثانوية للصدارة ويعود البالغون لخلفية المشهد باستثناء شخصيتي القس وأخته المتسلطة كتعبير من بيرغمان عن الوحدة التي عانى منها فاني وإلكساندر أثناء مواجهتهم لقسوة الواقع، وكأن الحياة لا تكون حقيقية إلا حين ترتبط بالمآساة أما السعادة وردية فهي ليست سوى سراب أو خيال ضبابي لا يوجد فيه شيء يستحق أن يروى.
من هذا المنطلق بجعل بيرغمان فيلمه عن النضوج، عن إلكساندر المراهق الذي يشق طريقه نحو البلوغ، ويبدأ باكتشاف معاني الرجولة والحب وبداية موهبة رواية القصة ونسجها، يحاول أن يأخذ دور البالغ كاملاً بغياب والده، ولكن رجولته تتعرض لهزة بدخول زوج أمه، الصراع بينهما صراع إثبات ذكورة، وهو صراع يفجر الأسئلة الوجودية الأولية لفتى بدأ يرى العالم على حقيقته.
العظمة النصية التي يقدمها بيرغمان هنا (وهو أحد أفضل كتاب السيناريو على الاطلاق) توازيها صورة جبارة لا نستغرب معها فوز الفيلم بثلاث جوائز أوسكار تقنية بالإضافة إلى أوسكار أفضل فيلم أجنبي، مبهر بتفاصيل الديكور والأزياء والملابس، المونتاج جبار ويلعب دوراً أساسياً بتصعيد الحدث وضبط الإيقاع وكسر برود العمل، التصوير عظيم بالتوازي مع الحالة النفسية لكل مشهد وإعطائه هوية ومزاج بصري خاص، بالإضافة إلى إدارة ممتازة لجميع الطاقم التمثيلي تحديداً الصغار المغمورين الذين قدموا أداءات تمثيلية رفيعة.
هو بالمحصلة فيلم من بيرغمان لكل عشاق بيرغمان عن بيرغمان، عن علاقته بوالده وجذور أزماته الروحية وافتتانه بالمسرح وهوسه بروي القصة وبداية تشكيل وعيه للعالم، هو فيلمي المفضل بين أفلامه التي شاهدتها.
١٠/١٠
tag


Annie Hall - 1977



يستخدم وودي آلين السينما كعلاج نفسي ذاتي من العقد النفسية التي يعاني منها وتسببت بانفصاله عن حب حياته دايان كيتن قبل انطلاق نجوميتهما، الفيلم عنه وعنها، هما لم يكونا يمثلان بقدر ما كانا يستعيدا ذكريات عاشاها معاً، وربما تلك الكيمياء بينهما وصدق التفاعل والأداء هي ما جعلت هذا الفيلم أحد ألطف وأعمق التجارب الرومانسية وانتجت أحد أفضل النصوص المكتوبة، المشهد الأخير حين كان (ألفي - وودي) يخرج مسرحية يحوّر فيها الحقيقة ويختم علاقته بأني - دايان كيتون بالشكل الذي حلم به يمكن بسهولة ملاحظة ملامح الحزن والحسرة بعيني وودي، لم يكن مجرد تمثيل جيد بقدر ما كان إعادة معايشة لحظات وأمنيات وحسرة على خسارته الحبيبة التي من أجلها صنع هذا الفيلم، لم يغير النهاية كما في المسرحية المتخيلة بل حافظ على صدق لحظة الخسارة لأنه يدرك إن التزييف لن يغير شيء ومواجهة الحقيقة هو العلاج الذي يحتاج إليه.
(الإنسان أفضل طبيب لذاته) حكمة قديمة طبقها وودي آلين هنا، العمل أشبه بسرد طويل منه على مسامع طبيب نفسي، رحلة اكتشاف ذات وليس رحلة تأليف، بوح معلن للكاميرا، لذلك لم يلتزم بقواعد الرواية التقليدية، العمل بتركيبته أشبه بسرد صور من الذكريات، يبدأ بفتور العلاقة مع آني ثم يعود لاكتشاف اسباب هذا الفتور، يعود إلى طفولته ثم يقفز إلى جمال البدايات ويقارن بينها وبين صديقاته السابقات وبينه وبين أحبائها السابقين، ويعود للنهاية ومرحلة الصدمة والعلاج منها، يطرح سؤالين (لماذا أحب أني؟) ثم (لماذا أنفصل عن أني؟) يعود إلى طفولته ونشأته وبيئته ليبحث في جذور مشاكله النفسية والاجتماعية التي حملها كآرث من بيئته ومجتمعه المغلق في بروكلين ومزجها بالوعي العاطفي والجنسي المبكر الذي خلق لديه فضول لاكتشاف الجنس الآخر من صغره، كله أدى إلى خلق شخصية مهزوزة منعدمة الثقة بذاتها تعالج الأمور وتواجهها بالسخرية والكوميدية السوداء ونجح بذلك وتحول إلى كوميدان ناجح ومشهور مما وضعه ببيئة ومكان أكبر من مجتمعه المغلق، يخرج مع فتيات مثقفات وذكيات ولكن لا يستطيع الاستمرار معهن لأنهن يخفنه ويشعرنه بالتهديد فيبتكر دون أن يعي وسائل ليخرب العلاقة، ينجذب إلى آني ولطافتها وجمالها، فتاة بسيطة وجميلة منجذبة إلى ذكائه وثقافته تمده بالإحساس بالأمان، ولكن بالمقابل ينتقل إحساس التهديد لها، تشعر دوماً إنها أدنى منه بالمستوى الفكري والثقافي، وما يعزز هذا الإحساس دفع ألفي المستمر لها للتعلم والتثقف، كان يحاول تحويلها إلى نسخة عن الفتيات اللواتي كن يجذبنه ويخشى الخروج معهن، وينقلب السحر على الساحر، أني بدعم ألفي تخوض رحلة تغيير ونضوج حتى تصل إلى مرحلة تستطيع بها الاستقلال بنفسها والتحرر من ألفي، حتى هو يشعر إنها تغيرت ولم تعد نفس الفتاة التي أحبها، خسر الشيء الأهم الذي كانت تمده به وهو الإحساس بالأمان، خسرها للأبد وحتى حين عاد وحاول التواصل معها لم يرى سوى إنسانة أخرى تشبه الفتاة التي أحبها يوماً.
هو ربما أحد أفضل وأجمل أفلام تحليل العلاقات وتعقيدها، وودي آلين بنظري أهم كاتب سينمائي أمريكي خلال نصف قرن الماضي، لا أعثر له على نظير اليوم سوى الكوينز أو تشارلي كوفمان، أصيل وذكي جداً، يقفز من الخاص إلى العام ويمزج بينهما، شديد الإبداع برسم الكاريكتارات وبناء الشخصيات ونسج علاقاتها وخلافاتها وتعقيداتها وتجاذباتها، وصعود وهبوط الحدث وتفاعله من الحوادث اليومية البسيطة، ضمن روح نكتة سوداء مبهجة وذكية وبعيدة عن الابتذال تمتلئ بها حوارات شخصياته، قادر على أن يعالج نفس مواضيع العلاقات بمئة شكل ومعالجة وفعل ذلك على طول مسيرته المزدحمة بالأعمال، أحدث ثورة بمجال الكوميدية وسينما العلاقات وآثاره واضحة على كل أفلام ومسلسلات النوع التي أصبح لها صنف جديد ( كوميدية مثقفي نيويورك).
باعتقادي من المجحف حصره وأفلامه بإطار الكوميدية والرومانسية، أعمالها فيها الكثير من التشريح لطبيعة العلاقات الاجتماعية والرومانسية في العصر الحديث، هذا الفيلم هو معالجة ذكية جداً وعميقة - عكس بساطتها الظاهرة - لمشاكل البيئة والطفولة التي تخلق شخصية مهتزة تجد من الصعوبة أن تتغير وتتواصل مع محيطها، نموذج عن أزمة منتصف العمر وجمال العثور على الحب الحقيقي ولوعة فقدانه.
هذا أفضل أفلام وودي آلين رغم إن ما قدمه لاحقاً كمنهاتن وهانا وأخواتها وجرائم وجنح حتى منتصف الليل في باريس لا يقل أهمية وجودة، ككل أفلامه لا يحصر نفسه بزاوية العلاقات العاطفية، هو شديد الارتباط بنيويورك وثقافتها وعوالمها ومجتمعها، تعبير عن حالة إدمان الانتماء لمكان - ليس حب المكان - الذي يجعل من مفارقته رغم ضرره أمر صعب جداً، جزئية تكشف الكثير عن شخصية مدمنة جلد الذات وتعذيبها ورعب مغادرة المنطقة الأمنة وتجريب عوالم وأماكن جديدة، مع هجاء للمجتمع الثقافي النيويوركي وسخرية لاذعة من نمط الحياة في كاليفورنيا وصناعة الترفيه فيها وتشويهها للفن والثقاقة.
هذا ربما أكثر فيلم لودي آلين متحرر وتجريبي إخراجياً، يبدأه بتحية لملهمه السويدي أنغمار بيرغمان، بل إن شخصية ألفي وكل شخصيات أفلامه وعقدتها الوجودية في سعيها الدائم وراء المجهول وصراعها لاستحواذ المفقود وإدمان التعاسة هي كلها عناصر بيرغمانية منفذه بأسلوب كوميدي أسود، يقفز ألين إلى أساليب الموجة الفرنسية وتمردها على الانماط والسرد ولغتها النخبوية وسخريتها اللاذعة وتنظيرها المستمر والابتعاد عن التعقيد والبذخ البصري ولكن بلغة مبسطة محببة مبهجة تجعل الفيلم قريب للمشاهد، آلين الذي صنع عمله كسرد ذاتي لذكرياته صوره وكأنه خارج من عقله أو سياحة للمشاهد في عقله، فجنح إلى مسر الجدار الرابع، مناقشة الكومبارس بإحداث العمل، الاستعانة بشخصيات ثقافية للتعليق على بعض الأحداث، اللجوء للرسوم المتحركة والشرح التوضيحي المكتوب، عرض اختلاف وجهات النظر بين ألفي و أني حول نقطة معينة من خلال تناظر المشاهد مونتاجياً أو الصوت الداخلي.
دوماً يتم وصف أفلام وودي آلين إنها قوية بفضل نصوصها، وهذا أمر فيه شيء من الصواب ولكن لا يمكن إغفال قوة لغته الإخراجية بصنع جو بصري بسيط واقعي لا يخلو من الكوادر البصرية الجميلة وبعضها أصبح أيقوني كمشهد القبلة على خلفية جسر منهاتن من هذا الفيلم عند الغروب، كما لا يمكن إنكار أنه أفضل مديري الممثلين على الإطلاق، دايان كيتن قدمت هنا أداء عمرها وربما أهم أداء نسائي في السبعينات، لا تكتفي بالاتكاء على ذاكرتها وارتباطها الحقيقي بالشخصية بل تعيش معها تحولات نضوجها وتغيرها، هي في النهاية غير ما كانت عليه في البداية نبرة حديثها وشخصيتها مختلفة جذرياً، والأهم عفويتها بتقديم الطاقة والطيبة والبساطة والجاذبية التي لم تقنعنا فقط لماذا هي حب وودي آلين الحقيقي، بل أصبحت رمزاً عاطفياً لجيل السبعينيات بالكامل ولا زالت أحد أكثر الشخصيات النسائية شعبية لليوم، حازت عن الدور على جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة بالإضافة إلى ثلاث أوسكارات أخرى نالها العمل أفضل فيلم وإخراج وسيناريو في أحد أكثر اللحظات شجاعة من الأكاديمية ومصداقية رغم وجود طوفان جورج لوكاس وحرب النجوم، أحد أفضل أفلام السبعينات وربما أفضل من تحدث عن تلك الحقبة، الفيلم الذي أحلم أن أصنع يوماً مثله.
١٠/١٠

Ran - 1985




المشروع الحلم للأسطورة الياباني أكيرا كوروساوا، عشر سنوات في كتابة السيناريو، سنتين في رسم المشاهد (ستوريبورد) تصميم حوالي ألفي زي أزياء، عمل بدء كمعالجة لحكاية شعبية يابانية وانتهى باقتباس لمسرحية شكسبير (الملك لير) - طعنة بظهر بيتر أوتول الذي كان يحلم بتجسيد لير بمشروع من إخراج كوروساوا - مفخرة حقيقية لسينما الياباني العجوز خرجت بترشيح للأوسكار كمخرج وفوز للأزياء، كان من الطبيعي أن يعتزل بعدها ولكن استمر وقدم ثلاث أعمال حتى توفاه الموت عام ١٩٩٨ وهو راض عن أن أعظم أحلامه رأى النور على صورة ربما أفضل مما يتخيلها.
الفيلم الذي قام ببطولته شريك كوروساوا الآثير تاتسو ناكاداي (وقدم من خلال دور اللورد هايديتورا أحد أجمل الأداءات السينمائية في الثمانينيات) يعيد تجسيد المسرحية الشكسبيرية المعروفة عن اللورد هايديتورا الذي وزع ملكه على أبنيه المنافقين ونبذ ابنه الثالث سابورو الذي يحبه بصدق ولكن لا يعرف كيف يعبر عن عاطفته إلا بطريقة متطرفة فجة (في مسرحية شكسبير هن ثلاث فتيات) كوروساوا يكيّف القصة لتناسب البيئة الشرقية اليابانية بكل تفاصيلها، يبتعد عن المعضلة الشكسبيرية حول السؤال الذي فجر الأحداث (من يحب والده أكثر؟ أو كم مقدار حبك لوالدك؟) ليأخذ الأمور نحو منحاً أكثر جدية وظلامية وشديدة الإسقاط السياسي.
القصة أكبر من الحب بقدر ماهي عن المصلحة أو الحكمة والصوابية السياسية، سابورو لم تكن مشكلته مع والده حبه له (وهو فعلاً الأكثر براً وحباً لوالده) بل المشكلة كانت عدم رضاه بقراره وإحساسه بالمسؤولية على مستقبل عائلته الذي يجبره على معارضة والده، كوروساوا يلخص كل شيء بالمشهد الافتتاحي العظيم، الحاكم أو الأب وصل لأرذل العمر ويريد التقاعد، ابناءه الثلاثة خاضعين لأمره دون الجرأة على إبداء الرأي وبحيرة حول المستقبل مع كبر والدهم، أعداء الأمس أصدقاء اليوم يتحينون الفرصة للإنقضاض، الأب رغم ضعفه مازال هو رمزاً لوحدة المملكة وقوتها ولا يمكن مخالفته، حين يصحو فزعاً من كابوس أبنيه ينشغلان بملاطفته لكسب وده، سابورو الوحيد الذي جهر بإحساسه بالخوف مما يتحول إليه والده، هو وحده الذي ظلله حين نومه بعد أن تخلى عنه الجميع.
حين يتم تقسيم المملكة على الأخوة يبتهج الأخوان بأن ما عملا لأجله طوال عمرهما أثمر، سابورو لم يقبل، لديه بعد نظر، يرى بهذا القرار سبيل إلى تقسيم المملكة وإضعافها، لا يثق بأخويه ولا بنفسه، أكثر خبرة بطبائع الرجال وعدم وفائهم، يعرف الكثير عن عالم السياسة وماضي والده الدموي الذي خلف لهم العديد من الأعداء ولو كانوا مستكينين، يدرك إن تجريد والده لنفسه من سلطاته ووضعه تحت رحمة أخوته سيفتح الباب للعداوات والفتن التي ستفتت المملكة وتدمر الإرث الذي خلفه.
المطلع على الأصل الشكسبيري يعرف إلى أين تتجه الأمور، رؤية سابورو كانت صحيحة والدم يسيل بين الأخوة ووالدهم والمملكة تضيع، والأب يخوض رحلة يكتشف بها مدى ظلمه لولده الأكثر وفاءً ويحاول إصلاح ما بينهما بعد فوات الأوان، كوروساوا يحافظ على هذا ويهتم أكثر بموضوع الكارما (العاقبة الأخلاقية)، ليس من منطلق عقائدي فقط بل من زاوية الحتمية التاريخية والسياسية، لو أن الملك لم يقم بتوزيع مملكته كم كان سيعيش؟ سنة اثنتين؟ سيموت وتتقسم المملكة ونفس الاقتتال سيقع لأن هذا أمر محتوم الحدوث، فالمملكة التي أقامها هايديتورا تأسست على العدوان والطغيان والمجازر والسلب والقتل، كوروساوا يتمسك بهذه النظرية ليشرح ويعالج حال الممالك التي تقوم على طغيان الفرد، ممالك تقوم على الخوف والطاعة المطلقة بلا تفكير، تعتمد على الفرد الواحد وتستمد قوتها من هذا الفرد ولكن أساسها هش، ما أن يختفي الطاغية حتى تنهار، في رحلة هايديتورا يعرضه كوروساوا لحالة من كشف الحساب، جرائم الماضي تطارده، ضحاياه يعودون ليقتسوا منه ومن عائلته، الأحلاف الهشة ستخرق والأصدقاء سيعودون أعداء ويأتون ليستردوا حقوقهم، جاعلاً كوروساوا فيلمه ليس فقط دراسة سياسية بل دراسة درامية لشخصية فقدت كل شيء وتتعرض لمحاكمة متأخرة من ضحاياها على كل جرائمها وأخطائها ويحاول الإصلاح بعد فوات الأوان.
بنفس الوقت اهتم كوروساوا بفكرة الخضوع الأعمى، الخضوع للمشاعر والخوف والأوامر العليا والأطماع والأهواء وعدم إحكام العقل، النزاع منذ بدايته كان بين العاطفة والعقل، بين الأمر ومخالفته، الأمراء حركتهم أهوائهم وأصدروا أوامر لقادة رغم معرفتهم إنها خاطئة اتبعوها لإنها أوامر وماتوا من أجلها، وحين تنكسر الشخصيات ترمي فشلها على الأقدار والآلهة وأنها تعبث بهم متجاهلين ومتهربين من حقيقة ومسؤولية أنهم كانوا دوماً يملكون القدرة والحرية للتصرف والتغيير ولكنهم اتبعوا أهوائهم التي قادتهم للكوارث.
كوروساوا قدم أحد أجمل الإنجازات البصرية في الثمانينيات، لوحات بصرية مبهرة وتضج بالحياة والأهم هنا هي المشاهد القتالية، هناك أناس يصورون حروب وأناس يصنعونها وكوروساوا من النوع الثاني، مشاهد المعارك بهذا العمل تجعلك تدرك المستوى المزري الذي تدنت إليه صناعة الملاحم باعتمادها الكامل على المؤثرا الحاسوبية، في هذا العمل كل شيء يضج بالحياة وحقيقي، كل شيء مصنوع يدوياً، حشود من ألفي كومبارس وخيل صممت لأجلهم حوالي الألفي زيل وصنعت عشرات الديكورات مزج بها بين أدق التفاصيل الواقعية والجمالية، وإدارة جبارة للحشود وتصوير مرهق وصعب وقطع ممتاز وإستخدام جيد للمؤثرات والمكياج، منذ المشهد الأول مشهد الصيد وكوروساوا يعدّ المشاهد لفرجة استثنائية ويحقق وعده، يقدم شيء بمستوى إبهار ذهب مع الريح ولورانس العرب والقيامة الآن وطبعاً رائعته الأهم الساموراي السبعة.
١٠/١٠

Nostalgia – 1983


بالنسبة لي هذا أكثر أفلام تاركوفسكي إرهاقاً، الحالة النفسية التي خلقها بداخلي من حنين لأيام وأماكن عشتها وعشت فيها كانت ثقيلة جداً، تاركوفسكي - في الفيلم الحائز على جائزتي لجنة التحكيم الكبرى والإخراج في كان - نبش أعماق الماضي عند المشاهدين ورماه بوجههم وأجبرهم على مقارنته بالحاضر، يعلّق المشاهد كالشخصية الرئيسية في المنتصف بين ماض لن يستطيع العودة إليه وحاضر لا يريد العيش به ومستقبل يبدو ضبابي كأجواء الريف الإيطالي التي دار فيها الفيلم.
 لا شيء في أفلام تاركوفسكي موضوع عن فراغ أو بطريقة عبثية، أي تفصيل صغير له أهميته، الفيلم ليس معالجة لفكرة الحنين للماضي بقدر ما هو بحث بأسباب هذا الحنين عن طريق تفكيك وتحليل الواقع، هو حالة شعورية وفكرية عميقة وصعبة، عن أندريه غورشاكوف (أدى دوره أوليغ يانكوفسكي) شاعر روسي يلاحق خطوات موسيقار من بلده عاش في المنفى ومات بعد عودته إلى دياره بتأثير الأدمان على الخمور جراء عدم قدرته على العودة إلى حياته الطبيعية بعد سنين المنفى التي عاش بها الحنين لأزمنة وأماكن أكتشف إنها اختفت بغيابه، غورشاكوف يعايش حنين الموسيقار لزمان فائت في مكان تغير، يتذكر منه خيالاته، شخوص وأماكن دون أحداث جوهرية، يريد فقط أن يعود لذلك الزمن ويكون فيه، وتتداخل تلك الذكريات مع الواقع كثيراً من الأحيان، ومع هذا التداخل ينفصل الشاعر أكثر عن محيطه وواقعه هارباً إلى ذكرياته. تاركوفسكي أفضل من يعبر عن حالة الحنين، يستغرق بالمشهدية للنهاية، يستنزف الزمن بأكثر الطرق إرهاقاً للمشاهد، الفيلم ثقيل ككل أفلامه السابقة، وهذا متعمد وضروري لنعيش حالة الشخصية ومشكلتها، ليحقق غرض السينما بخلق المعايشة ومشاركة الأحاسيس والأفكار، هو لا يحتاج الكثير ليحقق ذلك - والمتعارف على هذه النوعية من السينما إنها سهلة الصناعة صعبة التلقي لذلك تحتاج جهد أقل وجرأة أكبر - غرفة كبيرة فارغة إلا من سرير حديدي بمنتصفها، المطر ينهمر في الخارج نراه من نافذة على جدار خال من أي لوحة أو صورة أو زينة ملون بدهان أبيض متحول إلى الرمادي بفعل الإضاءة الخافتة، شخصية غورشاكوف تتحرك بالغرفة ثم يجلس على طرف السرير لا يفعل شيء، الأمر يستمر لدقائق ولا شيء يحدث، ومن الضروري ألا يحدث شيء حتى يصلنا الإحساس ببرود المكان وتوقف الزمن الذي يعكس برود وفراغ الشخصية، ثم يدخل كلب إلى الكادر هو نفسه الكلب الذي رافق الشخصية في طفولتها بمشاهد الذاكرة الصامتة، نوع من تداخل الماضي بالحاضر، الخيال بالواقع، للتعبير عن حالة انعدام وزن الشخصية بين زمنيين ومكانيين. المشهدية هذه تتكرر عدّة مرات، مشاهد مطولة صامتة لا شيء يحدث فيها، تكرار أفعال ممل، كاميرا تتحرك ببطء لتلتقط تفاصيل المكان ونغرق بداخله وداخل الزمن لنشعر بثقل حضوره، يخلق تاركوفسكي حالة شعورية خانقة، تصل إلى نقطة معينة يقطع بها إلى الماضي بالأبيض والأسود الصامت الساكن أيضاً بشخصيات لا تفعل شيء، تقف تنتظر شخصية غورشاكوف ليعبر نحوهم ويتوحد معهم ويدخل عالمهم. 
التصوير بأعمال تاركوفسكي عظيم وهذا العمل ليس استثناء، كل لقطة فيه لوحة بصرية للتعبير عن فكرة والإدلاء بمقولة معينة، استخدام مذهل للإضاءة وتغيير الصيغة اللونية بين المشاهد، توزيع الشخصيات ضمن الكادر وحركة الكاميرا معها، تاركوفسكي ابتكر لغة خاصة بأعماله تعتمد على المزج بين التعبيرية السينمائية والمسرحية بطريقة قريبة من السريالية تعتمد على السرد من داخل عقل الشخصية الرئيسية، وهي لغة مفيدة جداً – بالأخص بفيله المفضل بالنسبة لي (المرآة) – بالتعبير عن أزمة شخص يعيش الضياع وأزمة الحنين وجنون الحاضر. انفصال شخصية (غورشاكوف) عن واقعها يخلق لديه أزمة تواصل مع محيطه يعبر عنها الفيلم بعلاقته مع مترجمته يوجينا (دوميزيانا جيوردانو) هذه الشخصية تمثل الوجه المعاكس لشخصية (غورشاكوف)، ففي حين هو مأسور بالحنين هي مهووسة بالمستقبل وكلاهما منفصلان عن الواقع، شخصية (غورشاكوف) هي روسيا المفصلة عن جذورها، و(يوجينا) هي أوروبا الغربية بهوية جديدة هلامية غير واضحة الملامح ومنفصلة عن ماضيها، يغريها منذ المشهد الأول منظر المصليات في الكنيسة وهن يتضرعن للعذراء طلباً للإنجاب، ولكنها ترفض أن تتحدد هويتها وطموحها بأن تكون أماً، وبالمقابل تتوسل لـ(غورشاكوف) ليكون شريك لها ويبادلها المشاعر، وحين تيأس منه تبحث عن شريك غيره تذوب هويتها من خلاله، من خلال هذه العلاقة المتوترة بين الشخصيتين يقدم تاركوفسكي أسلوبه المعهود بالانتقال من الخاص إلى العام، علاقة طرفي القارة الأوروبية شرقها وغربها، الأزمات الخاصة بكلا الثقافتين، أزمة الروسي الذي هجنته الحياة الغربية (شخصية يوجينا)، وأزمة روسي آخر (غورشاكوف) الذي خرج من الاتحاد السوفيتي ودخل بدوامة كينونة ذاتية مع إحساسه بغرابته وغربته وعدم انسجامه مع العالم الغريب عنه خارج السجن الكبير الذي كان فيه، لم يستطع أن يفهمه ولكنه أيضاً لم يعد يستطيع العودة إلى سجنه السابق، ملجأه الوحيد هو ذكريات طفولته، الزمن البعيد الذي ذهب بلا رجعة، زمن كان به هو ومجتمعه أحرار. 
اللغة الهجومية على النظام القمعي السوفيتي والدعوة للعودة إلى جذور الحضارة الروسية الشرقية الدينية موجود كعادة كل أفلام تاركوفسكي بشكل مستتر وبين السطور ولكن بلغة واضحة، نكتشف بمشهد عابر أن (يوجينا) كانت طول الوقت تراقب (غورشاكوف) لصالح المخابرات السوفيتية من خلال عملها كمترجمة، ويقرأ آخر رسالة للموسيقار يتحدث عن كابوس تحول فيه إلى صنم في مسرحية من بطولة سيده، ويروي مع مترجمته قصة خادمة أرادت التحرر من أسيادها والعودة إلى قريتها فقامت بإحراق المنزل كإنذار إلى حالة القمع التي تقود إلى الجنون من أجل الحرية.
 يدخل (غورشاكوف) بعلاقة صداقة مع دومينيكو (أدى دوره السويدي القدير إرلاند جوزيفسون) الإيطالي غير المنسجم مع واقعه وهويته، يشعر أنه مقموع بسلطة أفكار مجتمعه فيحرر ذاته بأن يحرق نفسه بساحة عامة، هذه الشخصية هي المعادل الغربي لشخصية (غورشاكوف) الروسي، يعيش مثله حالة انعدام الانسجام مع المحيط، حين نطق بأفكاره أعتبره الجميع مجنون ونبذوه، يعبر عن الهاجس الغربي بعد الحرب العالمية الثانية بأن الحضارة انتهت والباقي الآن هي القيامة، يسجن عائلته لسنوات ويعزلهم عن العالم ليمنع الزمن من أن يشوهم ويفرض تغيره عليهم، (غورشاكوف) هو الوحيد الذي يفهمه ويقاسمه أفكاره ويتعلق به لدرجة يتحول إلى نسخة عنه وخليفةً له بعد أن يحرق ذاك نفسه عقب ألقائه لبيان ثوري عن الحرية والعودة إلى الجذور على حشد من جمهور المجانين، ويختتم تاركوفسكي العمل بمشهد عظيم بصرياً بتداخل كادرين، القرية القديمة ضمن بقايا الكنيسة الآثرية – الجذور التي تحتضن روسيا الحقيقية - و (غورشاكوف) بالمنتصف تحت المطر بعد أن عبر للماضي ونال خلاصه بالموت وتوحد مع المكان والزمان الذي يريده ويحلم به. 
10/10

أهم 10 أفلام في العقد 2010s


هذه ليست قائمة مفضلاتي الخاصة (رغم إن أغلبها موجود) هي قائمة بأهم 10 أفلام بالعقد الماضي التي جمعت الثناء النقدي والجماهيرية والجوائز الكبرى، هي الأفلام التي ستبقى من وجهة نظري رمزاً لهذه الحقبة، طبعاً هي لن ترضي الجميع لأن عدد 10 لا يرضي أحد وأنا شخصياً شعرت بالتردد تجاه إضافة أو عزل بعض الأفلام وانتهيت إلى قائمة أرضتني بنسبة كبيرة (الترتيب حسب العام) :

-1-
Social Network – 2010


آثار فيلم ديفيد فينشر هذا حين عرضه ضجة واسعة كونه تجاوز مفهوم السيرة الذاتية التقليدي ليصبح سيرة مجتمعية فيها شيء من دراسة لشباب القرن الواحد والعشرين والتغييرات المجتمعية في القرن المعاصر، البعض اعتبره فيلم عن التغييرات العظمة بمستوى المواطن كين والطيار وسيكون هناك دماء، فيلم يمزج الدراسة النفسية المعمقة لشخصياته المركبة بدراسة للتغييرات التي طرأت على المجتمع في زمن معين، وراء قصة ابتكار الفيسبوك قصة عن شخصية لا تشعر بالتقدير المجتمعي تعيش حالة من عدم القبول جنسياً و طبقياً بسبب قوانين صارمة لا تكفي فيها العبقرية وتنشد المثالية جسدياً ومادياً واجتماعياً، يبدأ بابتكار الفيسبوك كانتقام من شابين يمثلان ذلك الكمال المجتمعي أو النخبة، وينتقل إلى فكرة ابتكار ناديه الخاص حيث الجميع فيه من النخبة، أشبه بمجتمع أو عالم مصغر هو الرّب فيه، ليقدم الفيلم دراسة عظيمة لطموح الإنسان المجنون نحو العظمة ونضاله ليصل لها ثم كفاحه ليحافظ عليها وعن الأشياء التي يخسرها بالطريق، فيلم عن جيل يعاني أزمة هوية ومن هوس بالمظاهر ومن سعار جنسي، جيل لديه طموحات لا حدود لها ومتحصل على إمكانيات لا يعرف كيف يتحكم بها ويعاني من أنانية وفردانية لا تعرف المهادنة تجعله وحش في سبيل تحقيق أحلامه، ومهما حقق من أهداف يبقى هناك شيء لن يستطيع الوصول له، شيء لا يمكن أن يحصل عليه ويشتريه بالمال، الفيلم نال أربع جوائز غولدن غلوب وثلاث جوائز أوسكار كأفضل سيناريو ومونتاج وموسيقى.

-2-
A Separation- 2011


عرف العالم الإيراني أصغر فرهادي من خلال About Ally  ولكن (انفصال) 2011 هو من جعله من نخبة المخرجين اليوم، الفيلم الذي جاء تتويجاً لجهود أجيال من المخرجين الإيرانيين على مدى ثلاث عقود حقق ما لم يحققه أحد قبله بنيله دب برلين الذهبي ثم أوسكار أفضل فيلم أجنبي وأضاف فرهادي بعد خمس سنوات أوسكاراً ثانياً لإيران عن البائع الجوال، الفيلم حقق شعبية ومديح عالي نقدي وجماهيري بقدرته على تقديم النزاعات البسيطة للناس العاديين وصنع إثارة عالية من خلال الحوادث اليومية البسيطة الاعتيادية، وقدم من خلاله فرهادي أسلوبيته الخاصة القائمة على أعلى مستويات التفاعل بين المشاهد والعمل بجعل الحدث دوماً منقوصاً دافعاً المشاهد للتفكير والتحليل والبحث عن تتمة للحدث، جاعلاً التركيز ينصب على ما يجري خارج الكادر لا على ما يحصل داخله، مع قدرته الخاصة بتقديم نقد مجتمعي خفي وناعم وحاد كالشفرة، هذا الفيلم مهتم بالدرجة الأولى بحالة النفاق المجتمعي، بالهوس الخاص بالظهور بقمة الفضيلة والمثالية أمام الآخرين لدرجة تفريغ تلك الصفات من مضمونها وتصبح السمعة هي الأهم من الحقيقة، نرى الشخصيات ترتكب كل ما هو شائن لتبقى في دائرة الفضيلة، تكذب لتحافظ على سمعتها بأنها صادقة ولو أضاعت الحقيقة .

-3-
The Tree Of Life – 2011


خلال حوالي خمسة عشر سنة قدم الأسطورة تيرانس مالك ثلاث أعمال فقط بعد انقطاع عشرين سنة عن الإخراج، الأول ملحمة حربية خيط أحمر رفيع الحائز على دب برلين 1998، والآخير هو الملحمة الروحانية الوجودية شجرة الحياة الفائز بسعفة كان والمرشح لثلاث جوائز أوسكار، فيلم يمثل ذروة إنجازات مالك ومشروعه عن عودة الإنسان إلى الروحانيات والتواصل مع جذوره في الطبيعة ونبذ المادية والشكلية، يلاحق حياة مهندس على التوازي بين طفولته في ريف تكساس مع عائلة صغيرة، ورحلته بعد رشده في المدينة، مصوراً حالة من الكآبة والضياع الإنسانية مع انقطاع الإنسان عن جذوره، ومن خلال قسم الريف يقدم تآريخاً لنشأة الإنسان وعلاقته مع الطبيعة من خلال والديه، الأب الصارم والأم الحنون ودورهما المتكامل في بناء شخصية الإنسان التي نلاحقها بمختلف أطوارها من الولادة إلى النضج ضمن تتابع إخراجي ونصي عظيم مشبع بالروحانية يكاد يكون شعر أو صلاة سينمائية، يتحول إلى رحلة تطهير ذاتية نفسية بالأخص مع مشهد الختام الفردوسي العظيم حيث كل المعاناة ستنتهي مع انتهاء رحلتنا في الحياة، الفيلم انتجه وقام ببطولته براد بيت إلى جانب شون بين، ومعهما جيسكا تشاستين في الدور التي اطلق نجوميتها وحولها إلى أحد أهم ممثلات اليوم، العمل كسر عزلة مالك الفنية واتجه بعده إلى مرحلة من كثافة الإنتاج ولكن ضعيف المستوى مقارنة بسابق أعماله باستثناء (حياة خفية) 2019 .

-4-
Once Upon A Time in Anatolia – 2011



التركي نوري بيجلان هو صانع الأفلام الأهم للعقد الماضي من وجهة نظري، أشبه بكيشلوفسكي في التسعينات و هانيكه بداية القرن، الرجل هو ربما الوحيد الذي يمكن أن نعده استمرارية لبيرغمان و تاركوفسكي وهو لم يخفي أبداً تأثره بهما، هو ربما الوحيد الذي يصنع أفلام تشبه من سبقوه من المعلمين السينمائيين الطليان واليابانيين والإيرانيين، اقتحم العالمية من المحلية المفرطة، وحول الهموم البسيطة للبيئة الريفية إلى هموم إنسانية عامة، بيجلان له علاقة خاصة مع الريف مختلفة عن علاقة غيره من المخرجين مع بيئته، هو بعيد تماماً عن الحنين أو التصالح، ناقم على هذه البيئة ويهاجمها ويهاجم شخوصها بعنف أحياناً، ليس من باب التعالي بل من باب التوعية إلى أخطاء وثغرات وسلبيات لا يجوز أن يتم تلطيفها أو التجاوز عنها باسم الحنين، يقدم مشاكل الريف وشخصياته بهدوء شديد ولكن بنفس الوقت هناك دوماً خط قصصي مثير لفضول المشاهد ويجبره أن يتابعه للنهاية رغم كل ما يحمله فيلمه من هدوء، فيلمه هذا هو ربما أفضل أعماله، فيلم يختصر كل مذهب جيلان وأسلوبه، قصة جريمة وتحقيق تكشف الكثير من تناقضات البيئة الريفية ومشاكل الشخصيات المرسومة بطريقة إنسانية بعيدة حتى أعمق تفاصيلها، وفي عمق الفيلم هناك دراسة لمجتمع متخبط وأزمة هوية مع مورثه المزيج بين شرق وغرب ومستقبله الطامح لدخول المنظومة الأوروبية وتعاميه عن عشرات المشاكل الداخلية التي تؤرقه، نال الفيلم جائزة لجنة تحكيم مهرجان كان اتبعه بعد ثلاث أعوام برائعته بيات شتوي الحائز على سعفة أفضل فيلم في كان أيضاً وقدم بعدها بأربع أعوام فيلمه العظيم المتعب شجرة الكمثرى البرية.  

-5-
The Master– 2012


حين عرض فيلم بول توماس أندرسون هذا في مهرجان فينيسيا آثار جدلاً واسعاً مصحوباً بموجة صاخبة من المديح، رئيس اللجنة الأمريكي مايكل مان أراد منحه أكثر من جائزة إلى جانب الأسد الذهبي ولكن قوانين المهرجان حالت دون ذلك فمنحه جائزة لجنة التحكيم (الأسد الفضي) والتمثيل مناصفة بين واكين فونيكس والراحل فيليب سيمور هوفمان، والإخراج ليصبح بول توماس أكثر مخرج أمريكي معاصر ينال تكريمات من مهرجانات دولية (برلين عن ماغنوليا، جائزة الإخراج في كان عن بونش درينك لوف، الأسد الفضي والإخراج عن ماستر)، حين عرض الفيلم في أمريكا آثار موجة جديدة من الصخب والجدل، أندرسون الذي أعلن حين بدأ مشروعه أنه سيكون سيرة مواربة لمؤسس المذهب السنتولجي، ابتعد عن هذا الخط وتحول إلى ثانوي ولم يرضى أتباع المذهب بتصوير ملهمهم كمنافق وخاضع جنسياً لزوجته، أندرسون ركز على شخصية جندي أمريكي مضطرب نفسياً والذي يتحول إلى فآر تجارب لدى داعية روحاني منافق، وقدم معالجة عظيمة للشخصية ومعالجة لا تقل أهمية لشخصية الداعية المنافق، وتقديم جريء لعوالم الدعوات الخفية ونسج علاقة معقدة جداً بين المعلم والتلميذ فيها الكثير من الوصولية والاستغلالية المتبادلة، التلميذ الذي يبحث عن انتماء والمعلم الذي يبحث عن مشروع ونصر، ومعالجة قوية لشخصية الليدي ماكبث، الفيلم مصنوع بصرياً على أعلى صورة ومصحوب بإدارة تمثيلية انتجت أداءات استثنائية بالذروة ورغم كل الحرب التي تعرض لها الفيلم فلم يستطيعوا حرمان ممثليه الثلاث (فونيكس وهوفمان وآدامز) من نيل ترشيحات أوسكارية.

-6-
Amour – 2012


الفيلم الذي أكسب النمساوي ميشيل هانيكه سعفته الثانية من كان بعد أربع سنوات على الأولى وأضاف عليها أوسكار أفضل فيلم أجنبي من أصل خمس ترشيحات، تحفة هانيكه هذه يعتبرها البعض أهم ما قدمه في مسيرته الذهبية، يعالج مفهوم (الحب) بأكثر الطرق تطرفاً إنسانياً وسينمائية، يقوم بما اعتاده الجمهور منه بتجريد عمله من جميع المؤثرات العاطفية وجعله حياة يومية بسيطة بكل برودتها وروتينيتها، مقدماً الحب والعلاقة بين الشريكين وهي تواجه تحديها الأخير مع دنو الموت، يعطي للحب طرق أخرى بالتعبير متمثلة بالاعتناء والاهتمام اليومي في لحظات المرض، نعيش مآساة عاطفية على صعيد المرآة التي تفقد ذاكرتها وماضيها وواقعها والرجل الذي يراقب محبوبته وهي تختفي أمامه وتتحول إلى شبح لإمرأة كان يحبها وتكشف وجهً أخر مرعب كان يخفيه وربما لم يدري بوجوده.
وراء الحب والاهتمام هناك خط درامي شديد السوداوية عن رجل اعتاد طوال حياته أن يعيش في ظل زوجته الناجحة وفي نهاية عمره أمتلك السيطرة عليها وانتقل إلى الواجهة، واستغل ضعف زوجته ليسيطر عليها وعلى تفاصيل حياتها، هانيكه صنع فيلماً عظيماً عن الحب ومعاني الفقد، عن الآزمات التي تغيرنا وتكشفنا، أدار أثنين من أهم الممثلين في تاريخ السينما الفرنسية (جان لوي ترانتينيان و إمانويلا ريفا) وقدما وهما بخريف عمرهما أهم أدائيين بمسيرتهما.

-7-
Boyhood – 2014


بعد أشهر على نيله ترشيح جديد للأوسكار عن الجزء الثالث من سلسلة Before طار ريتشارد لانكنلتر إلى برلين ليعرض مشروع عمره (سنوات الصبا) في المهرجان الذي شهد انطلاقته قبل عشرين سنة مع الجزء الأول من Before ، بين الفيلمين طور لانكنلتر أسلوبيته التي تحولت إلى مشروع عمره عن الإمساك بالزمن ودراسة تأثيراته وانعكاساته على الشخصيات، في سلسلة Before  ربطنا بصداقة مع جيسي وسيلين وآخذنا لنزورهما كل عشر سنوات لنطلع على تأثير الزمن عليهما، في (سنوات الصبا) نفس الهوس ولكن بأسلوبية مختلفة، أحد أكثر المشاريع السينمائية المعاصرة تفرداً وتجريبية، فيلم استغرق تصويره 12 سنة عارضاً يوماً أو عدة أيام من كل سنة من حياة ميسون وعائلته مربوط بمونتاج أنيق جداً ساداً كل الثغرات الزمنية ومحولاً الفيلم إلى قطعة واحدة ندرس فيه جميع تغيرات الشخصيات النفسية والجسمانية والاجتماعية، معتمداً على سيناريو يمكن أن نعده ارتجالي كتب أحياناً كثيرة خلال تصوير كل فترة، الفيلم تمرد على كل قواعد كتابة السيناريو، فيلم بلا حبكة واضحة بل مجموعة حبكات قصيرة مدروسة تختصر الزمن ويسرد سيرة مجتمع  وتغيراته خلال قرن، باحثاً عن الغاية من الأشياء، الغاية من الأحزان والطموح والسعادة والتمرد والحب، لا يعطي أجوبة لأنه لا يقدم أسئلة واضحة، فهذه هي الحياة بكل جوانبها سعي لسرقة لحظات من الزمن تشكل هويتها، هو بالمحصلة فيلم عن إنسان يبحث عن لنفسه عن موقع ومكان في عالمه ويحاول اكتشافه وفهمه ويخوض في سبيل ذلك رحلة خاصة مهما كانت عادية فهي شديدة الفرادة والخصوصية.

-8-
La La Land – 2016


ربما هو الحالة السينمائية الأكثر بهجة في العقد كاملاً، داميان شازيل تحول إلى أصغر مخرج ينال الأوسكار وعن فيلمه الثاني، الشاب الثلاثيني الذي خطف الأنظار عام 2014 بفيلم (Whiplash) عاد وكرر نفس الخلطة بفيلم أضخم، مزيج الموسيقى والسينما، فيلم أحيا به كلاسيكيات السينما الموسيقية ونقلها إلى القرن الواحد والعشرين، قدم به شازيل رسالة حب ورثاء لموسيقى الجاز وتسلية لأرواح كل الفنانين المجانين الذين لا يستطيعون العيش بعيداً عن الفن والأضواء مهما سبب لهم من معاناة، ربما هي القصة الرومانسية الأكثر شعبية للقرن الجديد، قصة فيها الكثير من الموسيقى والحب والشغف، فيلم عن قسوة الأحلام وصعوبة درب تحقيقها، عن صراع الواقع بالشغف، عن إحباطات الحياة وكسرها المستمر لنا، عن الانهاك الذي يرافق الإنسان في اللحظات الأخيرة للسباق ووقوف الإنسان ليحصي خسائره وقوله كان من الممكن أن أحصل على كل شيء لو صبرت أكثر.
الفيلم قام ببطولته أثنين من أكثر النجوم شعبية في العقد السابق، إيما ستون و رايان غوسلينغ في اجتماعهما السينمائي الثالث الذي حولهما لأحد أكثر الثنائيات المعاصرة جماهيرية، حقق الفيلم قبولاً عالمياً منذ افتتاحه بمهرجان فينيسيا ونيل ستون جائزة أفضل ممثلة، واستمر بنجاح شعبي ثم تحقيق رقم قياسي بحفل الغولدن غلوبز ترشيحات وفوز، ثم نيل ثمان جوائز أوسكار منها أفضل مخرج وممثلة وخسارة لجائزة أفضل فيلم بحادثة هي الأكثر طرافة بحفل توزيع جوائز الأكاديمية مع تقديم الظرف الخطأ لمقدمي الجائزة وارن بيتي و فاي داناوي وإعلانه كفائز قبل أن يتم التصحيح وتقديم الجائزة لفيلم باري جينكيز البديع (مونلايت).

-9-
Roma – 2018


الفيلم حالة جدلية على عدة أصعدة، فيلم سينمائي مكسيكي من انتاج شبكة تلفزيونية أمريكية، نتفلكس كانت بحاجة إلى هذا العمل لتنهي الجدل حول سياستها بالإنتاج والعرض السينمائي، هذا الجدل وصل لذروته في مهرجان كان حين هاجم رئيس لجنة كان 2017 بيدرو ألمودوفار الشبكة التي عرضت فيلمها الكوري (أوكيجا) لبونغ جون-هو في افتتاح الدورة ورفض منح أي جائزة لأفلام نتفلكس وطالب بمقاطعة أعمالها، الشبكة انتقلت لفينيسيا لتعرض انتاجها هناك وظفرت بالأسد الذهبي ثم بثلاث أوسكارات أفضل فيلم أجنبي ومخرج و تصوير حملها جميعاً المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون، لتأتي الجدلية الثانية مع هيمنة الثلاثي المكسيكي (كونزاليس – ديل تورو – كوارون) على السينما العالمية خصوصاً بهذا العقد بعد فوزهم جميعاً بأوسكارات الإخراج وأكثر من مرة وتكريمين في فينيسيا، بعيداً عن كل هذه الجدليات فهذا العمل ربما هو تحفة العقد الحقيقية، أحد أكثر الأعمال المعاصرة ذاتية وأصالة، رحلة فيها الكثير من تاركوفسكي وأوزو بإعادة خلق الذاكرة من التفاصيل اليومية البسيطة، يعرض كوارون في مشروعه - الذي حلم بصنعه منذ عشر سنوات - تفاصيل عن طفولته وتجسيد لبدايات نبوغه برواية القصة، ورثاء لحالة نسوة في مواجهة طغيان ذكوري مجتمعي أكبر منهم ضمن صورة عامة لمجتمع مكسيك السبعينات في فترة تحولات سياسية بغاية الصعوبة والفوضوية، فيلم استثنائي عن كل الأفلام الذاتية الأخرى، كوارون خرج به عن أنانيته ليتسع ويكون عن خادمته ووالدته وأخوته، ليكون فيلماً عن المكسيك بالكامل.

-10-
Parasite – 2019


باكورة أعمال الكوري الجنوبي بونغ جون - هو وأهم أعماله، الفيلم حقق أكبر نصر في تاريخ السينما الكورية، نال سعفة كان وترشيحات رئيسية في الغولدن غلوب والبافتا والنقابات والأوسكار وضمن جائزة أفضل فيلم دولي بالإضافة إلى شعبية جماهيرية كبيرة قلّ نظيرها، هو تتويج لمسيرة جون–هو الناجحة جداً ومن وراءه الموجة الكورية الجنوبية التي أثارت اهتمام واسع منذ بداية القرن الحالي ومعها السينما الآسيوية التي استعادت الكثير من ألقها بفضل كوريا الجنوبية وإيران واليابان.
الفيلم هو استمرار لنهج جون-هو بالتحذير من مخاطر اتساع الفروقات الطبقية في العالم وتحديداً مع وصول طوفان الأزمات الاقتصادية إلى كوريا، عمله لا يخرج عن طابع الإثارة الذي عودنا عليه وبرع به مع الكثير من الرمزية المباشرة أحياناً ولكن محكمة وبمحلها، ضمن صناعة بصرية بغاية القوة والأهمية تكاد تكون درس معاصر بصنع فيلم يمشي على خيوط رفيعة جداً أي اهتزاز فيها يوشك على الانهيار، فيلم متوازن بطريقة دقيقة جداً، مصنوع على المسطرة وببراعة فائقة، ممتع جداً والإثارة الرفيعة المستوى التي يحويها تخدم الفكرة بطريقة عظيمة جداً، فيلم يتزاوج فيه النص المتقن مع الصورة الجبارة ولا يمكن فصلهما عن بعض ويخدمان بعض بطريقة مميزة، أي مخرج آخر كاد أن يحول الفيلم إلى لوحات كوميدية ولكن براعة جون-هو تجاوزت الكوميدية حتى السوداء منها وجعلها حالة درامية قاتمة جداً عن مجتمع يعيش في قوقعة خاصة وأسفل منه مجتمعات تتصارع لتنال الفتات وحربها ستطفو إلى السطح لتغرق الجميع .

مرتبة شرفية
Joker – 2019


رغم إن وجود هذا الفيلم لن يرضي الكثيرين وأنا شخصياً ترددت بوضعه ضمن ولكنه يفرض نفسه كونه أكثر عمل آثار جدل وحقق شعبية في العقد السابق، فيلم تود فيليبس هذا هو انتصار لسينما الكوميكس التي هيمنت على المشهد التجاري السينمائي لعشر سنين خلت، بدأ بإثارة الجدل مع فوزه بأسد فينيسيا ضمن عاصفة صراع بين رئيس اللجنة ورئيسة المهرجان حول مشاركة رومان بولانسيكي وفيلمه (الضابط والجاسوس) واحتمالية فوزه انتهت إلى منح ذاك الجائزة الثانية وتقديم الجوكر للأولى كتعبير عن موجة أخرى اجتاحت السينما في السنوات الأخيرة بسبب تصدر قضايا النسوية والتحرش والعنصرية للمشهد السينمائي.
الفيلم المنتج بميزانية ضئيلة لم تتجاوز الـ/50/ مليون دولار، حقق على شباك التذاكر أرباح تجاوزت المليار، هو أعلى فيلم أرباحاً نظراً لتصنيفه الرقابي المرتفع، رغم انقسام النقاد حوله ولكنه جذب اهتمام الجمهور حول العالم، جوكر نولان قبل عشر سنين كسب قلوب الجمهور لثوريته وتمرده وفوضويته، الجوكر تود فيليبس مختلف، عرض في فترة كثر فيها الحديث عن التنمر والمستضعفين وطغيان المجتمع وفساد السياسة وحركات الاحتجاج الشعبية حول العالم، جاء الفيلم ليحاكي تلك الأفكار والهموم، أشبه بحالة تنفيس لغضب الجمهور والعامة، بالنسبة لي الفيلم مليء بالثغرات ومدعي، يعرف ما يريد الجمهور وكيف يستغل همومه وهواجسه بالاتكاء على أداء استثنائي من ممثل العقد واكين فونيكس، تمكن من تحقيق غرضه وتحول إلى ظاهرة ستعيش طويلاً مع الجمهور.

مع تاركوفسكي Mirror - The Sacrifice



The Mirror - 1975

بتصوري إن أحدى أفضل القرارات التي اتخذتها هو التمهل بمشاهدة أفلام أندريه تاركوفسكي، خلال أربع سنوات شاهدت له ثلاث أفلام فقط، الأمر أتاح لي الفرصة لإدراك عظمته بالتدريج كأبناء جيله الذين تابعوا صعوده عبر ثلاث عقود، جعلني استفيد من عامل الزمن والنضج لأفهم أكثر أستاذ فن النحت على الزمن.

التقسيم الاعتيادي للفيلم السينمائي، وأي عمل فني حسب رأي أرسطو ثم سيد فيلد هو بداية وسط خاتمة، في المسرح تأسيس حبكة حل، في السينما تمهيد مواجهة حل، هذه الوصفة تنطبق على كل عمل سينمائي تقريباً، بالنسبة لتاركوفسكي التقسيم يأخذ أبعاداً مختلفة، يبدأ بالخاص ينتقل إلى الاجتماعي أو العام ثم إلى العالمي أو الكوني، لاحظت هذا في سولاريس وستالكر، وفي المرآة كان أكثر وضوحاً.
لماذا اسم الفيلم هو المرآة؟ في المرآة ترى انعكاسك ولكن تراه معكوس اليمين يصبح يسار وهكذا، إلا أنك أنت تبقى أنت، المرآة في هذا الفيلم هو الزمن، الحاضر يعكس الماضي، الأبن يعكس الأب، الواقع يعكس التاريخ، كل التغييرات التي نراها ظاهرية ولكن لا شيء يتغير، في أحد المشاهد تقرأ إحدى الشخصيات كتاب عن تاريخ روسيا القيصرية، عزلتها عن أوروبا الكاثوليكية، ودورها بالتصدي للمغول وإنقاذ أوروبا في العصور الوسطى، يتلوه مشهد عن الحرب العالمية الثانية، تصدي روسيا الشيوعية أو الاتحاد السوفيتي المعزول عن أوروبا الرأسمالية للغزو النازي وإنقاذها العالم، الفيلم يسير على هذا النمط، تاركوفسكي أختار نفس الممثلين للعب عدّة شخصيات في أزمنة مختلفة للتأكيد على تكرار دائرة الزمن بلا نهاية، الشخصية الرئيسية حين تكبر تعيد تكرير تصرفات والدها يتزوج شخصية تشبه أمه شكلاً وطباعاً وينجب طفل يعيد تكرير مسيرته بطفولته ويتنبأ بمستقبله، يحاول جاهداً أن يكسر هذه الدائرة ولكنه لا يستطيع، أبنه يشعر أنه عاش هذه الحياة مسبقاً، وهناك صور مشوشة تجتاح رأسه ولا يفهمها، كل ما يمر به سبق ومرّ به والده، المكان والزمان فقط اختلف، من الريف الروسي في عشية الحرب الكونية إلى المدينة في ذروة الحرب الباردة، لا تبدو الأمور اختلفت كثيراً حتى سياسياً ويبدو إنها لن تختلف مستقبلاً وشكل الواقع الحالي ينبأ بذلك، وهذا برأيي يعطي للفيلم صفة تنبوئية أكثر من كونه تحليل للماضي وارتباط للواقع، تفكيك الزمن وإعادة تركيبه ليس فقط لفهمه والتحرر منه بل الغرض الأهم هو استشفاف ما سيجري لاحقاً وما سيولد، حتى على الصعيد الشخصي تاركوفسكي تنبأ بموته بسن مبكر وهو بذروة بعطائه ولم تمض عشر سنين حتى صدقت نبوءته، وروسيا المعزولة في الزمن القيصري ثم الاتحاد السوفيتي ما زالت لليوم معزولة وهي تحمل اسم روسيا الاتحادية.
الفيلم خليط من ذكريات تاركوفسكي وأحلامه، عن علاقته المضطربة مع والدته وطفولته المشوهة وتآثير هذه الطفولة والعلاقة على فترة نضجه وعلاقته بأبنه، ليست قصة استثنائية، الكثير من القصص والأفلام عالجت التزاوج بين الماضي والحاضر، المميز هنا بطريقة الطرح وأسلوبيته، لا يصرح تاركوفسكي إن هذا مشهد هو حلم أو ذكرى أو واقع، كل الوقائع مخلوطة ببعضها، ولكن أسلوبية التقديم تجعل المشاهد مع بعض التركيز يدرك الفرق، طريقة التصوير التي توحي دائماً بوجد شخص خفي نرى من عينيه الحدث، الانتقال من الألوان إلى الأبيض والأسود، الإحساس الدائم بالتشويش وإن هناك شيء ما ورائي يحدث وكأن الحياة عبارة عن حلم طويل نشترك به جميعاً حول العالم.
كما ذكرت الفيلم مقسم إلى ثلاث وحدات، خاص وعام وعالمي، الثلث الأول مركز على طفولة تاركوفسكي وذكرياته الخاصة وعلاقاته بعائلته، الثلث الثاني مركز على ذكرياته في الخدمة العسكرية ويبدو الأمر يتسع أكثر من عالمه الخاص إلى أزمة جيل كامل، الثلث الثالث يبدو عالمياً أكثر عن أزمة إنسانية، عن الزمن وتكراره بلا توقف بكل أخطاءه بكل أحلامه المحطمة بكل آلامه، صورة العمل استثنائية، كل مشهد يستحق التدريس، كل مشهد له رمزية خاصة، مشاهدة العمل صعبة جداً، حاولت مشاهدته سابقاً وشعرت بحواجز بيني وبينه، وتقريباً كل من يبدأ بأعمال تاركوفسكي يتعرض لنفس الموقف، الفيلم يحتاج لتأمل وصبر في بدايته ولكن لاحقاً ستغرق به وتخرج منه بتجربة استثنائية، تجربة تعيش مع المشاهد، تعيد تفكيره بحياته بماضيه بدور الزمن في حياته ويحاول قراءة مستقبله.


The Sacrifice - 1986
آخر أفلام الروسي أندريه تاركوفسكي صنعه في السويد، كرغبة منه لتجاوز المعوقات الانتاجية في الاتحاد السوفيتي من ناحية، وجانب آخر تحية لأحد ملهميه السويد أنغمار برغمان، وفي صميم العمل رسالة وداع أخيرة من تاركوفسكي للعالم الذي فارقه بعد أشهر من صدور الفيلم.
(انتظار الموت أصعب من وقوعه) أحد العبارات الحوارية المميزة في العمل، أندريه كان يمر بهذه الحالة، يعاني وهو ينتظر موته، ليس فقط المعاناة الجسدية التي سببها السرطان، بل معاناته الخاصة - الأصعب - مع حياته وذكرياته وماضيه، إحساسه بأن كل ما قدمه بلا فائدة وبلا طائل، وبدل أن يجعله حراً قيده أكثر، شعوره بأنه شوه الذكرى أثناء نبشها بدلاً من تمجيدها وقضى على صفائها في عقله، رعبه من مفارقة ابنه كنزه الوحيد وآمله بمستقبل أفضل له.
تاركوفسكي ككل الناس عاش وهو ينتظر شيئاً ما لم يستطع الحصول عليه، والآن وهو على مشارف الموت أدرك كم كان ذلك الشيء المجهول بلا قيمة، وهو مستعد أن يضحي بكل شيء ، بكل نجاحه وحياته والأشخاص من حوله فقط ليعود كما كان في صغره، ليهرب من الموت ويتوحد مع الذاكرة ويبدأ من جديد، تاركوفسكي كسر استحالة هذه الفكرة بالسينما، انهى فيلمه بلقطة الشجرة التي افتتح بها أول أعماله (طفولة إيفان) وكأن الرّب قبل قربانه وعاد للبداية لطفولته، وربما الختام بهذه اللقطة تعبير عن أنه أغلق الدائرة، ختام حياته هو بدايتها وسيعود لتكرار كل شيء من جديد بطريقة حتمية لا يمكن الهروب منها.
الفيلم رغم غرقه بخصوصية تاركوفسكي أكثر من أي وقت مضى ولكنه لا ينفصل عن أسلوبيته، الانتقال من الخاص للعام فالأعم، ليس فقط عن هواجس تاركوفسكي قبل موته، بل أيضاً عن مخاوف الاتحاد السوفيتي وأوروبا بشكل عام، صحيح أنه سويدي الهوية ولكن الطابع الروسي فيه واضح، أشباح الحرب العالمية الثانية التي ما زالت تطارد الجميع، فقدان الإحساس بالطمأنينة مع طول السلم الهش، الشعور بأن كل شيء حلم وسينتهي بأي لحظة، ومهما طال السلام فشبح الحرب موجود وسيغدر بالعالم بأي لحظة وستكون فعلاً آخر الحروب التي تنهي الحضارة.
الفيلم فيه نبرة تشاؤمية واضحة حول مستقبل الاتحاد السوفيتي، الإحساس بدنو إنهياره وعدم جدوى كل الإيدولوجيات وسنوات النضال والصراع التي خاضها النجم الأحمر بالأخص مع سياسات غورباتشوف الانفتاحية، انتقاد سياسة التعتيم التي يمارسها قادة الاتحاد السوفيتي على الشعب في حين كل شيء ينهار من حولهم وهم يختبئون وراء أصبعتهم ويسترون عورتهم بورقة التوت، مع تعبير عن أزمة ضياع هوية المجتمع الروسي بين من يريد الانفتاح على التجارب الغربية في دول شرقية (التركيز في العمل على اليابان واستراليا) وبين من يريد العودة إلى الجذور المسيحية القيصرية وهي الأزمة التي برزت بشكل أوضح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
مع كل هذا (وهنا يأتي الأهم) هو تعبير عن أزمة الإنسان العصر الحديث، إحساسه بعدم الجدوى وفقدان الشغف، مشاكل الهوية والانتماء، الشياطين التي تتنازعه، الكوابيس التي تسكنه، تاركوفسكي لا يصرح في النهاية هل كل ما جرى حقيقة أم حلم، ولكن ندرك إن كل ما حدث لم يكن سوى (مرآة) لواقع غير مفهوم يفتك بصاحبه ويقوده إلى حرق كل شيء أملاً بإنقاذ الطبيعة وإعادتها إلى نقائها قبل أن تفتك بها الحضارة الحديثة.
بصرياً ربما هذا أفخم أعمال تاركوفسكي، الرجل كان يتفنن باختيار مواقع التصوير بطريقة تشبه الهووس، ومع كل فيلم أشاهده له اتعجب من الأماكن التي يختارها ليصور بها، المكان جزء أساسي من أفلامه كما هو جزء أصيل من ذاكرته، هو دوماً البطل الرئيسي ويمزجه مع تصوير عجيب جداً، السحبات الطويلة واللقطة الواحدة، التلاعب بالدرجات اللونية والإضاءة والظل وميزاستين الحركة داخل الكوادر والتباين بين الداخلي والخارجي، يمسرح عمله ثم يكسر هذه المسرحية بصورة سينمائية أصيلة (كما كان يفعل استاذه برغمان) مع متواليات حوارية طويلة ومرهقة ومخيفة مدعومة بأداء جبار من إلراند جوسفسون (أحد نجوم أفلام برغمان ونجم فيلم تاركوفسكي السابق نستلوجية) هنا يقدم أحد أفضل الأداءات السينمائية لشخصية تعيش انهيارها الخاص، كل ما يقدمه محكم وحقيقي المونولوجات والحركة والارتجاف والتعرق والدموع، نموذج قياسي حول كيف تأدية دور شخصية تنحدر نحو الجنون.
١٠/١٠