من النادر أن نرى بتاريخ السينما تفاهم وانسجام بين مخرج وممثل مثل التوافق الذي كان بين الثنائي السينمائيان مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيرو الذين قدما أفضل الأعمال السينمائية منذ بداية السبعينات وحتى أواسط التسعينات وفيلم الثور الهائج هو رابع حلقة في مسلسل التعاون بين دي نيرو وسكورسيزي الذي بدء عام 1973 بفيلم شوارع قذرة وتكرر عام 1976 بالفيلم الرائع (سائق التكسي) الذي بقي بتصنيف النقاد أفضل عمل سينمائي لكل من المخرج والممثل المذكور ثم وقع بمطب عام 1977 بالفيلم الموسيقي (نيويورك نيويورك) الذي هدد مستقبلهما فكان لا بد من عمل لكي يعودا به إلى سابق مجدهما فكان الحل عام 1980 عندما تمكن دي نيرو من أقناع سكورسيزي على تصوير فيلم الثور الهائج الذي يدور عن حياة جيك لاموتا بطل العالم للملاكمة بالوزن المتوسط والذي قدم سيرة حياته بكتاب حوله الكاتب بول شريدر (كاتب فيلم سائق التكسي) إلى نص سينمائي وحوله المخرج مارتن سكورسيزي إلى فيلم سينمائي بقي يعمل على إخراج هذا الفيلم سنتين كاملتين حتى بظهر بتلك الروعة التي ظهر عليها
The Terminator - 1984
لا يوجد قدر إلا الذي نصنعه لأنفسنا
حين بدأ مشروع (المبيد) يدخل حيّز التنفيذ كانت عينا جيمس كاميرون على ممثل واحد للعب دور كايل ريز هو بطل كمال الأجسام النمساوي والشهير بدور كونان البربري أرنولد شوارزنيغر، ولكن أرني – الذي أثبت خلال حياته السينمائية والرياضية و التجارية والسياسية إنه من أذكى الأشخاص بالعالم وأكثرهم صبراً- أراد الدور الذي يهرب منه كل الممثلين الصاعدين أراد الدور الثانوي وهي الشخصية الشريرة رغم إن أي ممثل صاعد يحلم بقيام دور البطولة الطيب، أرنولد كانت له حجّته وهي إن الشخصية لها حوارات كثيرة وعليها إظهار مشاعر معقدة وهو أولاً ليس ممثلاً محترفاً وثانياً لغته الإنكليزية ركيكة بعض الشيء ولهجته النمساوية غالبة على كلامه لذلك سيفشل بدور كايل ريز ويليق به دور المبيد أكثر، ومع إنه قام بالدور الثانوي الأقل أهمية بالعمل (مجرد شخص ضخم يحمل سلاحه ويطلق النار) ولكنه مع ذلك استطاع نقل الشخصية لتصبح رئيسية وتصبح العمل كله وعلامته التجارية المميزة والسبب الأول ليصبح العمل الكلاسيكي – مع وجود النص والإخراج المبهرين
Terminator 2: Judgment Day - 1991
الآن أعرف لماذا تبكي ولكنني لا استطيع ذلك
بعد ثورة The Terminator عام 1984 والنجاح الضخم الذي حققه على شباك التذاكر مع الترحيب النقدي الكبير الذي حظي به انتقل كل من كاميرون وشوارزنيغر ليصبحا متصدري اسماء البطولة في هوليوود وانهالت عليهما المشاريع الضخمة، شوارزنيغر تابع بعد هذا العمل سلسلة من الأعمال الناجحة جداً تجارياً وأغلبها جيد المستوى نقدياً (Commando , Red Heat , Predator , Running man , ، Total Recall ) جيمس كاميرون لم يجعل كراسه السينمائي يزدحم بالأعمال بحث على شيء بمستوى رائعته الأولى وعلى نفس المستوى فلم يقدم خلال الثمانينات سوى رؤيته الجديدة لرائعة ريدلي سكوت Aliens وفيلم الخيال العلمي The Abyss الذي لم يحقق حضور على شباك التذاكر وعند النقاد، وكتب سيناريو فيلم رامبو وكاد أن يعود ليدير صديقه وشريكه بالنجاح أرني في الخيال العلمي والأكشن Predator ولكن العمل ذهب للصاعد جون ماكتيرنان (مخرج Die Hard) والذي صنع منه عمل ناجح وممتاز جداً، ووضع سيناريو فيلم الرجل العنبكوت الذي رفضته شركات الانتاج لقسوته في البداية ولم يرى النور حتى عام 2002 على يد سام ريمي، ورغم تلك المسيرة الممتازة بعد المبيد بقي الجمهور يأمل برؤية جزء ثاني له
Toy Story 2 - 1999
في عام 1995 أصبح الاستديو الشاب بيكسار وفيلمهم حكاية لعبة حديث العالم وأحد رموز ثورة سينمائية حديثة، جائزة أوسكار تكريمية نالها العمل وثلاث ترشيحات أخرى وأرباح بمئات ملايين الدولارات حول العالم، الفيلم بكل بساطة أصبح مالئ الدنيا وشاغل الناس وعنوان لعصر جديد بصناعة الأنيميشين واستخدام تقنيات الحاسوب بالسينما، النجاح الثورة المحقق الذي قارب نجاح العرّاب في السبعينات دفع صناع العمل المخرج والكاتب جون لايستر مع الكتاب بيتير داكتور وأندرو ستاتون والمؤدين توم هانكس وتيم ألين وبقية الفريق إلى التفكير كما فعل طاقم فيلم العرّاب بصنع جزء ثاني له فور عرض الفيلم الأصلي، الفكرة والفيلم كانت جاهزة للتنفيذ بيكسار احتاجت بعض الوقت قبل إطلاقه لتعزز تواجدها السينمائي على الساحة وفعلت ذلك من خلال حياة حشرة عام 1998 فيلم بيكسار الشهير المظلوم إعلامياً، وعام 1999 عادت الألعاب لتنطق ثانيةً وتتحرك وتم إصدار الجزء الثاني من حكاية لعبة.
The Shawshank Redemption - 1994
هذا الفيلم من المستحيل أن ينسى وأن يمحى من الذاكرة، من المستحيل أن لا يحظى على إعجاب المشاهد، هذا الفيلم الذي لم ينل المديح المستحق حين عرض في أفضل أعوام التسعينات عام 1994 بوجود التحفتان بولب فاكشن و فورست غومب ولكنه مع الأيام ازدادت قاعدة معجبيه ليصبح عن جدارة من أكثر الأفلام شعبية على الإطلاق بل هو يتحدى العرّاب وحرب النجوم وأنديانا جونز وتايتنك وسيد الخواتم بكونه أكثر الأفلام شعبية بتاريخ السينما، هذا الأفلام من إخراج فرانك داردونت مخرج الميل الأخضر وكلامها مقتبس عن رواية المبدع ستيفن كينغ وكلاهما دراما السجون ولكنهما مع ذلك مختلفان اختلافاً جذرياً بين الفلسفية المبهرة التي كست الميل الأخضر و بين الدراما الإنسانية البسيطة التي انسكبت من كل أنحاء إصلاحية شوشانك والتي جعلته من أروع لوحات الميلودراما الذكورية النادرة حيث إن الميلودراما دوماً ارتبطت بالأنوثة وبقصص الحب والعائلة والبحث عن الذات المؤثرة (كمليون دولار بيبي وجسور مقاطعة مديسن) في حين ارتبطت أفلام الذكور بالعصابات والجريمة والرعب أو قصص البحث عن الذات السوداوية ولكن بين حين وآخر يظهر مخرج ليقول لنا إن ميلودراما الرجال المؤثرة والتي تحرك عواطف الرجال ومشاعرهم قبل النساء موجودة ويثبت إن الرجال أيضاً عاطفيين وليسوا مجرد هرمونات جنسية،
Shine - 1996
الحب يحتاج إلى الأنانية
الطموح يحتاج إلى الأنانية
أكثر ما يعجبني بأفلام السير الذاتية الغربية إنها لا تصور الشخصيات كملائكة بل يتذكرون إنهم يتحدثون عن إنسان له من السيئات بقدر ما له من الحسنات أفلام السير الذاتية الغربية تهتم دوماً بالتعمق بنفسية الإنسان مكنوناته دوافعه التي تشكل عبقريته أو وحشيته والفيلم الأسترالي (تألق) للمخرج سكوت هيكز أحد أكثر أفلام السير الذاتية التي ظهرت في التسعينات تألقاً، يتناول قصة عبقري البيانو ديفيد هيسلوف وسيرته الفريدة من نوعها بأسلوب فريد وشديد الجمال يستغل تفاصيل حياته المعقدة ليقدم بشكل شديد التراجيدية العلاقة المضطربة بين ديفيد ووالده ومن خلال تلك العلاقة يقدم دراسة نفسية إنسانية ممتازة لشخصيتان متناقضتان بكل شيء بالقوة والضعف بالجبروت و الانهزام ليتحول الفيلم ليس مجرد حديث عن عبقرية البيانو الاسترالية بل حديث عن مشكلة أسرية عامة ومنتشرة في كل العالم وهي الصراع بين ما يريده الابن وبين ما يريده الأب، بين حب الأب الحقيقي الذي يصل للأنانية أحياناً والذي لا يريد لأبنه أن يكبر ويريده أن يبقى معه وبين طموح الابن بالتحرر وبتكوين شخصيته وتحقيق نجاحه الخاص والذي قد يصل أيضاً لدرجة الأنانية حين لا يعبأ لمشاعر الأب وتضحياته ...
Schindler's List - 1993
من ينقذ حياة إنسان ينقذ العالم بأسره
في حفل الأوسكار عام 1993 كان الحدث الوحيد المهيمن هو ستيفن سبلبيرغ، كانت تلك ليلته وليلة معجبيه فبعد انتظار طال حوالي ثمان عشر سنة تم تكريم صانع الأفلام الأهم بزمانه بجائزتي أوسكار كأفضل مخرج ومنتج عن فيلمه التحفة قائمة تشاندلار، تكريم انتظره في ذلك الوقت عشاق السينما طويلاً كما انتظروا لاحقاً تكريماً مستحقاً لمارتن سكورسيزي، فرغم كل ما يقال اليوم عن محاباة هوليوود لسيدها ومعلم مخرجيها ولكن الحقيقة إن الملك لم يكن دوماً متوجاً في عاصمته فرغم إنه كان الأول لدى الجمهور وكل من جاء بعده من مخرجين وصناع أفلام و لكنه لدى النقاد والأكادميين و موزعي الجوائز في تلك الأيام كان مجرد مخرج تجاري مع إنه كان ككل العباقرة شخص متفرد يبحث عن التميز خارج السرب كحال سلفه هيتشكوك الذي عاش نفس المعاناة ولكن في النهاية يبدو إن النقاد والأكادميين تعلموا الدرس وأدركوا إن ما يصنعه وصنعه سبلبيرغ فن سينمائي حقيقي ولكن غير تقليدي فبعد أن تم تجاهل اسمه عن مرشحي الاوسكار عام 1975 عن فيلم الرعب المذهل Jaws وخسر ثلاث ترشيحات متتالية لأفضل مخرج آثنين منهما عن فيملي خيال علمي دراميين (Close Encounters of the Third Kind و E.T.: The Extra-Terrestrial عامي 1977 و 1982 ) وآخر مغامرة وفنتازية (Raiders of the Lost Ark عام 1981) ثم حاول مجاراة الأكاديمية والنقاد بأن يثبت إنه ليس مجرد مخرج أفلام خيال علمي ومغامرات فصنع قصة درامية مؤثرة بعيدة عن خياله الجامح المبهر فكانت التحفة الإنسانية (The Color Purple ) عام 1985 التي نالت 11 ترشيح للأوسكار في شتى المجالات بإستثناء أفضل مخرج فرغم نيله جائزة نقابة المخرجين لم ينل سبلبيرغ حتى الترشيح ليصبح في ذلك الوقت الثالث في التاريخ الذي ينال جائزة النقابة دون جائزة الإخراج وفي النهاية أصبح فيلم اللون القرمزي الخاسر الأكبر بأن خرج من حفل الأوسكار دون أي جائزة – رغم استحقاقه أغلبها - لا أتوقع بأنه هنا يوجد أي محاباة للمخرج الأسطورة بل إذلال مسيء لعبقرية فنية لذلك فليس أمر مستغرب أن يكون تكريمه عام 1993 حدث سينمائي بارز واعتذار لهذا المخرج وطاقمه المبدع الذي عانى طويلاً التهميش ولكن الإساءة عادت عام 1998 بتفضيل فيلم كشكسبير العاشق بأغلب جوائز الأوسكار ومنها أفضل فيلم على حساب التحفة الحربية إنقاذ المجند رايان التي خرجت فقط بخمس جوائز أوسكار منها أفضل مخرج ثانيةً لسبلبيرغ رقم قد يعتبره البعض جيد أن يفوز بجائزتي أوسكار ولكن نظراً لقيمة هذا المخرج وأعماله أتوقع إنه رقم ضئيل جداً .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

.jpg)





