هذا الفيلم يذكرنا بحقيقة السينما، إنها ليست
فناً، ليست رسالة، هي قبل كل ذلك تجربة، هروب من الواقع إلى واقع بديل، خوض تجارب
جديدة من أمام القماشة البيضاء العملاقة، ثم أصبحت فناً بوسائل عرض هذه التجربة،
والرسالة جاءت من خلال استخلاص أمثولة من هذه التجربة، حين نعود إلى بدايات
السينما كشرائط جورج ميليس القصيرة كان من الواضح جنوح السينمائيين والمتابعين إلى
تحويل الأفلام إلى بوابات لخوض تجارب جديدة واكتشاف عوالم أخرى ، وعبر أكثر من مائة
سنة من تقديم الأفلام اختلفت طرق خوض تلك الرحلات، ومع وصول السينما هذه الأيام
إلى قمة تطورها التقني بفضل تقنية الـ3D لم يعد المشاهد يكتفي بأن يشاهد التجربة
ويراقبها بل أصبح يعيشها حرفياً، اصبح من الممكن عليه أن يكتشف كواكب أخرى أو يضيع
بالفضاء ، إليخاندور كونزاليس أناريتو برائعته الجديدة هذه يعيد السينما لأصولها
التقليدية، لكلاسيكيتها المحببة، يقدم صفعة جديدة لكل رواد السينما التقنية ويقول
لهم إن الطريقة القديمة بصنع الأفلام ما زالت هي مفتاح السر بعظمة هذا الفن، يرمي
الشاشة الخضراء، يخرج من الاستديوهات الضيقة، يستغني عن الكاميرات الرقمية، لا
يوظف دوبلير، ينطلق في البراري الرحبة لا لينقل
التجربة للمشاهد بل لينقل المشاهد للتجربة والمغامرة ويجعله يعيش أسوء وأصعب
مخاوفه وتحدياته، محولاً الطبيعة بالطريقة الكلاسيكية إلى أصعب وأخطر تحدي يواجه
الإنسان، أصعب حتى من الضياع بعيداً في الفضاء.
Paris, Texas – 1984
بعض
الأفلام تشعرك بعد مشاهدتها بواجب الكتابة عنها وبعضها تشعرك بالحاجة للكتابة
عنها، وفيلم فيم فندرز هذا هو من النوعية الثانية التي تتمتع بخاصية أخرى معقدة ، وهي
إنك لا تعرف ماذا تكتب عنها، هذه أفلام إشكالية بحتة للمشاهد والقارئ ، هي أفلام
الإحساس، أفلام تثير مشاعر وتحييها وتوقدها بداخلنا، لا يمكن مناقشتها كأي فيلم عادي
من حيث الحبكة والدراما و الأداء والأفكار والإخراج وغيرها – وهي بهذا العمل بأعلى
المستويات - ، لأنها نوع مختلف تماماً، عظمة العمل غير منظورة، لا تراها بعين عقلك
بل تحس بها بعين قلبك، عظمة هذه الأفلام ليس بشكلها الفني، هي أعمق من هذا، عظمتها
بالمشاعر التي تثيرها، بعملية التطهير التي تدخلنا بها، بذلك الأمل الإنساني التي
تحيه بداخلنا بوجود خير وجمال على هذا الكوكب ولو كنا ببيئة قذرة أو بصحراء قاحلة
.
Au revoir les enfants: Goodbye Children – 1987
يروي الفرنسي
لويس مال في فيلمه هذا الحائز على أسد فينيسيا الذهبي لعام 1987 (وداعاً أطفال) قصة مستوحاة من طفولته
الخاصة في أحد المدارس الكاثوليكية الفرنسية عام 1944 حيث يكتشف الفتى جوليان
كوينتن (تجسيد لويس مال الفتي) أن زميله جان بوني هو فتى يهودي خبئه مدير المدرسة عن
أعين وأيدي المخابرات النازية زمن الهولوكوست، القصة مغرية جداً لتكون مثيرة عن
فتى في بداية طور المراهقة يخوض تجربة انتحال هوية مختلفة في زمن خطر أو عن فتى
يحمل سراً خطيراً لا يعرف كيف يتعامل معه،
لويس مال لا يترك هذا، بل يتعامل مع إثارة راقية مندسة تحت السطح ويجعل هذين
المحورين جزء في قصة أكبر، مال يصنع فيلم هولوكوست مختلف، الهولوكوست فيه محور فقط
يضاف إلى محاور عديدة يناقشها ببساطة دون أن يتمحور فيها ، عن الحالة الفرنسية زمن
فيشي، عن المدارس الدينية الداخلية، عن أطفال يخوضون تجارب استثنائية مع إقبالهم
على البلوغ، يجمع هذه المحاور ويمزجها ليصنع خليط استثنائي خاص عن فيلم ليس عن
الطفولة والبلوغ ، ليس عن الحنين، بل عن تلك المرحلة، عن ذكريات يستعيدها مال
ويرويها بالكثير من الرقة والكثير من الألم والكثير الكثير من الشغف.
Inside out – 2015
هذا العمل هو ربما من أهم الأحداث السينمائية
المعاصرة، ليس فقط لمستواه الفني الراقي جداً بل لكونه أعاد استديو بيكسار –
الأستديو الأهم والأفضل في العقد الماضي - إلى المسار الصحيح بعد أربع سنوات من
التشتت وأعطى دفعة جديدة لسينما الأنيميشن لتتألق مجدداً، العقد الماضي في المجال
الرسومي هيمنت عليه بيكسار بروائع المرعبين ونيمو والمذهلون والسيارات وراتاتيول
وول أي وأعلى، و افتتحت هذا العقد بالجزء الثالث من تحفتها حكاية لعبة أحد أفضل
أعمالها على الإطلاق، ثم عانت من انحسار
غريب بدء مع السيئ السيارات 2 ثم المتوسط شجاعة والمقبول جامعة المرعبين ومع هذه التخبط شهدت الأنيميشين شيء من انحسار
القيمة، صحيح إننا شاهدنا أعمال ممتازة مثل رانغو وتان تان و فروزين و وتانغليد
وصيد التنين والمينيونز و سوبر هيرو 6 ولكن بدون بيكسار هناك دوماً شيء ناقص، كنا
بحاجة لدفعة من المغامرة الناضجة المبهرة الممتعة المضحكة والمؤثرة المليئة
بالأفكار والقيم العائلية الهامة والعوالم الخيالية، أفلام تدغدغ الصغير بداخلنا
وتمليء عقولنا كراشدين وتمتع الجمهور الأكبر من أطفال وتثقفهم، بيتر دكتور مخرج
أفضل أفلام بيكسار للعقد الماضي Up قدم لنا ما أردناه في Inside out .
Avengers: Age of Ultron- 2015
منذ مدى تحدثت عن فيلم (The Avengers)
على الFacebook بأن سبب نجاحه تكمن ببساطته،
تقديم ما يتوقعه وينتظره محبي الكوميكس بالشكل الذي يحلمون به دون زيادة أو نقصان
مع قصة درامية بسيطة متناسبة مع جو العمل ككوميكس، جون ويدون والمارفيل من خلفه
يدركون إن عملهم غير قابل ليكون The dark knight وعرفوا حدودهم تماماً ولعبوا ضمنها وتميزوا كون
فيلمهم مختلف عن رائعة نولان وعلى حد تعبير أحد المدونين (إنه إذا كان نجاح بداية
باتمان إنه مخالف لكل توقعات محبي الكوميك فإن سبب نجاح The Avengers إنه متوافق مع كل ما يتمنى محبي الكوميك
مشاهدته) وجون ويدون لم يسطح القصة نهائياً ويقدمها بصورة سخيفة وطفولية كاقتباسات
جويل شوماخير الرديئة لباتمان في التسعينات ولا يحاول المبالغة بالقصة درامياً وهي
لا تتحمل فتبدو مفتعلة ومبتذلة كفيلم زاك سنايدر The Watchmen .
Mad Max: Fury Road – 2015
عام 2003 فاجئ أرنولد شوارزنيغر جمهوره
بتقديم جزء ثالث متأخر لرائعته (The Terminator ) كمحاولة إعادة فرض
وجوده على الساحة وتذكير الجمهور به وبقيمته الشعبية بعد تقدمه بالسن وتراجع مستوى
أفلامه على مدة عقد من الزمن وتخليه عن عرش نجم الحركة الأعظم لممثلين أصغر وأكثر
شباباً، حركة أرنولد بزمنها كانت دعائية – شخصية له – لا مجرد حنين لزمن ذهبي
سينمائي بل ليكسب المزيد من الأنصار بين الناخبين الأصغر سناً في انتخابات 2004
على حكم ولاية كاليفورنيا، حضور الفيلم القريب للممتاز على شباك التذاكر والأصداء
التي تراوحت بين الجيد والمقبول لدى النقاد والمتابعين أغرى أبناء جيله ليغامروا
ويعيدوا تقديم روائع أفلام الحركة من الثمانينات – عقد الأكشن الذهبي الحقيقي – بتتمات
جديدة فرأينا روكي سادس ورامبو رابع وجزئيين رابع وخامس لـ (Die Hard) ورابع لأنديانا جونز ، أفلام تراوح قبولها النقدي
والجماهيري بين المقبول نوعاً ما والسخرية مما يصلح تسميته أزمة منتصف عمر أو
مراهقة بعد الخمسين يعيشها الممثلين الأكثر شعبية بزمانهم.
Citizen Kane – 1941
في الشهر الماضي أصدرت الـ BBC قائمتها
لأفضل 100 فيلم أمريكي وأثارت جدلاً كبيراً لعدة أمور يطول شرحها أبرزها عدم وجود
أي فيلم لأليا كازان ضمنها، ولكن المرتبة الأولى لم يصلها شيء من النزاع والاعتراض
وهي التي استحوذ عليها فيلم أورسن ويلز (المواطن كين – Citizen Kane) بتجديد لما فعله معهد الفيلم الأمريكي عام 1997 حين
أختار تحفة ويلز هذه على رأس قائمته لأفضل 100 فيلم أمريكي بمناسبة مرور 100 عام
على صنع السينما، عودة وإصرار المواطن كين على تصدر القوائم المئوية السينمائية
الرفيعة أعاد لي بحماس الرغبة الجامحة بالكتابة عنه والتي كنت أكبتها منذ أن
شاهدته أول مرة منذ حوالي 10 أعوام ، التعامل مع فيلم يعتبر ليس فقط الأعظم بتاريخ
هوليوود بل والأكثر تأثيراً على مسيرة السينما ككل يصيب الكاتب بشعور بالرهبة
،فهذا سيقود حتماً إلى تحويل المقال أما إلى تفنيد لأسباب كون الفيلم هو الأعظم والانغماس
بهذه الجزئية مما يجعلنا نبتعد عن الحديث عن الفيلم كفيلم، أو تجاهل جزئية تأثيره
ومناقشته كأي فيلم عادي مما قد لا تعطي الفيلم حقه، أعمال مثل كين أو العرّاب أو
لورانس أو أوديسا أو سائق التكسي أو ذهب مع الريح ليست عظيمة فقط لتأثيرها
التاريخي بل لما تخلفه من أثر لدى أي مشاهد يكاد يكون من الصعب إيصاله ببعض كلمات ومن
الأغلب أن أي مقال عنها مهما كان احترافياً سيكون أقل من عادي لأنه لا يمكن مقاربة
جوهر روعة المادة الأساسية التي نعالجها، ولكن مع ذلك لم استطع منع نفسي أكثر من الاستسلام لرغبة الحديث عن كين فأعدت مشاهدته مؤخراً وجلست وراء اللابتوب محاولاً
أن أفند أحساسي نحو فيلم متواجد دوماً في قائمتي لأفضل 10 أفلام شاهدتها والله
المستعان.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)







