RSS

مشاهدات سينمائية (4)



Viva Zapata ! - 1952
هذا الفيلم لا يحيد عن النهج اليساري المرتبط بمسيرة كازان وأفلامه، فيه الكثير من التحيز للفلاح البسيط وحقوقه ومستاء من شكل الدولة الحديثة التي جاء صعودها على حساب البسطاء وارتبطت بصراعات عنيفة ودموية كان الشعب وقودها لتضيئ أوسمة الجنرالات، يطرح أفكار جدلية وإشكالية عن العلاقة بين الغاية والوسيلة، وهل يمكن تحقيق الغاية النبيلة بالوسيلة الدنيئة؟ وهل يمكن إقامة دولة حضارية من رماد حرب كوت الجميع؟ هل جنرالات الحرب يصلحون للسلم؟ وهل هم فعلاً ينشدون مصلحة الشعب أم مصالحهم الشخصية؟
كازان جعل فيلمه عن القطيعة بين المصلحة الخاصة و العامة، لا يمكن تحقيق المصلحتين معاً، لا يمكن للبطل الشعبي أن ينجو في عالم السياسة، لا يمكنه أن يكون سياسي وبطل في الوقت نفسه، الفيلم قوي جداً بطرحه السياسي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبروز الدولة الأمريكية العميقة من خلال المكارثية بحجة مواجهة الشيوعية وتحول حلفاء الأمس لأعداء اليوم مع الحرب الباردة، فيه الكثير من الإسقاط رغم أن أحداثه في مكسيك مطلع القرن العشرين، عن الأبطال الذين يتحولون لطغاة وعن الانتصارات التي تفرز نفسها وعن الديكتاتوريات التي تعيد انتاج ذاتها باسماء جديدة، عن ضياع معنى وغاية الحروب، وضبابية معنى الحرية والسلم، وهشاشة معنى البطولة.

قوة هذا الطرح وهذه الأفكار تبدو بأفضل صورها من خلال البناء العظيم لشخصية إيمينلو زاباتا، الفلاح صاحب المعنى الفطري للحرية، صاحب القانون الأخلاقي الواضح، المحمل برغبات وأحلام بسيطة، اندفاعه الثوري كان نقي ومجرد من أي شوائب خاصة، لتحقيق العدالة وتحقيق ذاته والعثور على قيمة له بين الناس، هذه الدوافع التي حركته في ثورته الأولى البسيطة تحقيق مصلحة قومه ورغبته بأن يكون ذا قيمة وشآن، هذه الدوافع المختلطة العامة والخاصة تتضخم مع تعقد الصراعات وتتالي الانتصارات وتتنافر ثم تتضارب مع ضبابية الأهداف واختلاط الحلفاء والأعداء، ينتقل من بطل شعبي إلى طاغية وخلال هذا الانتقال يضيّع ذاته، يكتشف أن لا مكان له في عالم السياسة هو الفلاح الأمي، ولكن وبعد كل ما خاضه لن يكون الإنسحاب سهلاً، ليخوض حربه الأخيرة الحقيقية، الحرب التي حولته لأسطورة شعبية وملهم لكل ثوار أمريكا الجنوبية.

كازان بفضل النص العظيم الذي خطه جون ستايتنك يمجد الشخصية البطولية دون أن يجردها من إنسانيتها، هو بطل ضمن الإطار الإنساني وإنسانيته هي التي حولته لرمز، تحركه دوافعه الخاصة، يشعر بالخجل الذاتي من نفسه، يتعرض للإغواءات والتضليل والضياع لتظهر إن أصعب حرب خاضها هي ضد رغباته وشياطينه الخاصة، هو إنسان، عاشق، زوج، أخ، رجل يبحث عن الراحة، عن موقعه في عالم فوضوي، عن الأمان في عالم جنوني.
مارلون براندو - أعظم ممثل في التاريخ - يوصل شخصية زاباتا بكل تعقيداتها وتناقضاتها، يقدمه بعفوية لا أحد غيره يقدر عليها، جلافته، بساطته، جاذبيته الشعبية، وحشيته، صدقه، نظراته التي لا تعرف الثقة، صراعاته الذاتية مع شياطينه، خجله الذاتي من نفسه، إحساسه بالضياع حين يدخل عالم السياسة، جنون الحرب الذي ينهكه، يتوحد مع زاباتا ويقدمه بلا أي تكلف أو مجهود، ومنسجماً جداً مع الدور ومطوع نفسه بالكامل له ويجعله إحدى الأيقونات السينمائية في زمانه، ومعه انتوني كوين بأداء عظيم ببربريته وفوضيته وروحه الطفولية الوحشية، وجوزيف وايترمان الذي قدم شكل العالم السياسي بكل شيطانيته ووصوليته وغدره.
إليا كازان قدم صورة جميلة مليئة بالتفاصيل وملحمية مع لغة تعبيرية رمزية ممتازة جداً أعطت أبعاد عديدة للفيلم، صنع فيلماً عن الشعب الذي يصنع بطلاً والرمز الذي يلهم الشعب والحروب التي تنجب الطغاة.
٩/١٠

ما حدث ذات مرة في الأناضول هو أنه لم يحدث شيء، أو ربما هو حدث يكرر نفسه على الدوام في بيئة تعيد انتاج نفسها إلى ما لا نهاية، من قواعد السينما عموماً والسينما الكلاسيكية خصوصاً هو إن ما يحدث داخل الكادر هو المهم، الكلاسيكيون كانوا متزمتين جداً بهذه القاعدة لدرجة أنهم اعتبروا إن لا شيء يحدث خارجه، نوري بيجلان لا يكسر هذه القاعدة بل ينسفها من أساسها، في فيلمه هذاوهو أهم ما شاهدته له للآن - ما يحدث في الكادر ليس سوى مرآة لحوادث هامشية تراكمت حتى انفجرت، نتابع مع فريق من الشرطة المحلية وطبيب شرعي ونائب عام ومتهم وشاهد عملية بحث عن جثة وقعت ضحية جريمة لا نعلم عنها شيء، وحتى نهاية العمل لا نعلم كيف ولماذا وقعت الجريمة، بيجلان يسحب اهتمامنا تماماً عن هذا الحدث ويوجهه نحو الشخصيات، نحو حياتها وهمومها البسيطة وأسرارها وهواجسها ومخاوفها وذنوبها وخيباتها، يقوم بذلك بدون أن يغادر مسرح الأحداث - موقع الجريمة - وبدون أن يدخلنا إلى بيوت وعوالم الشخصيات الخاصة، يعتمد على الحوارات الجانبية وتفاعل الشخصيات فيما بينها خلال البحث عن الجثة ليرينا حياتهم بالكامل.
هذا من الأعمال الذي يستند لحبكة قوية ظاهرية، عبارة حدث ذات مرة حين تكون عنوان لفيلم ما (متبوعة بالغرب أو أمريكا أو الصين ومؤخراً هوليوود) تعني قصة حياتية مرتبطة بمكان وزمان معينين تتحول إلى أسطورة شعبية وتعكس المرحلة التاريخية؟ حدث ذات مرة في الأناضول لا يخالف تلك القواعد (قواعد الأسطورة الشعبية) جريمة هزت ريف الأناضول في زمن تبدو فيه تركيا على منعطف تاريخي مع طموحات دخول الاتحاد الأوروبي تضع فيه البلاد في مواجهة بين ما تريد أن تكون عليه وما هي على الحقيقة، المهم في عمل بيجلان أنه يحول حبكة العمل المتقنة إلى عنصر ثانوي جداً وهامشي وينقل هوامش الحدث للمقدمة، يجعل الشخصيات جزء من قسوة المكان وتعبير حي عنه، ويطرح معضلته المعهودة، إلى أي حد يطبع المكان قسوته على الإنسان؟ ويذهب حتى النهاية بفرضية كيف يمكن لهذه الطبيعة الجلفة أن تقتل الإنسانية بساكنيها وتحولهم إلى وحوش، ليس بالضرورة أشرار ولكن ربما القسوة والوحشية أسلوب حياة وطريقة نجاة في هذا المكان الموحش.

عبارة (الدخول للاتحاد الأوروبي) تمر بشكل عابر في إحدى الحوارات ولا يعاد تكريرها ثانية، ولكن لها رنين قوي في العمل بالأخص بموقع استخدامها، يجعلك تتساءل هل فعلاً هذه البلاد قادرة على دخول الاتحاد الأوروبي وهي لا تستطيع إيصال الكهرباء لريفها...؟ هل يكفي أن نكون (متحضرين)حسب شروط الاتحاد الأوروبي لنكون فعلاً كذلك، أم إن الانتقال من العالم الثالث للأول يحتاج إلى عمل أكثر تعقيداً وصعوبة في هيكلة وبناء المجتمع.
بيجلان لا يحود عن هاجسه الآثير في كل أفلامه (نسبية الحقيقة)، هو عادةً يستغل هذا الجانب ليصنع نفس تشويقي خفي يدفع القصة للأمام، هنا حالة الإثارة خفيفة جداً رغم إن صلب الموضوع عن جريمة، المهم أكثر هنا هو جدلية الحقيقة، إلى حد نحن بحاجة للحقيقة؟ هل من الممكن أن تكون الحقيقة لعنة؟ وهل معرفتنا لها تزيد من معاناتنا والأفضل أن تبقى الأمور مخفية؟ ولكن هل إخفاء الحقيقة يلغيها؟ أليست مجتمعاتنا بحاجة لمواجهة ذاتها وعيوبها وحقيقتها مهما كانت قاسية حتى نستطيع تجاوزها؟ هل مشكلة مجتمعاتنا أنها بارعة بشيء وحيد وهو إخفاء الحقيقة واختلاق الأكاذيب وإدمانها؟.
العمل عظيم بصرياً، بيجلان أحد أهم صناع الواقعية اليوم، يهتم بالمكان وتفاصيله - داخلياً وخارجياً - وتآثيره ويجعله محرك للحدث، وككل أفلامه هناك لوحات بصرية من قسوة المكان، ويضيف جيلان اهتمام كبير بملامح الوجوه وإلتقاط التعابير والنظرات والصمت والتعب والإرهاق والجلافة والقسوة، ينقب تحت طبقات التعب وقسوة الزمان والمكان ليزيل التراب عن إنسانية الشخصيات، يوجد في العمل جهد بديع في المونتاج وتوزيع اللقطات وانتقالها بين الشخصيات ورواية قصصها ...
الفيلم حالة عظيمة عن الأسرار التي يخفيها الإنسان ونعذبه، عن صراع الزي الحضاري والطبيعة الغرائزية، عن نزاع الإنسانية وقسوة المكان، عن الطموحات والأحلام التي يقتلها الواقع، عن مجتمع محتضر يتم دفعه للأمام رغم قناعة ساكنيه أنه قضية خاسرة ولا حل معه سوى هجره، حاز على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في كان ٢٠١١ أحد أقوى سنوات المهرجان مع وجود أفلام شجرة الحياة وقيادة وفنان و منتصف الليل في باريس والجلد الذي أسكنه وغيرها، وربما في أي عام آخر لاحق لكان الفيلم هو من توج بالسعفة حتى بوجود فيلم جيلان الآخر حامل سعفة كان ٢٠١٤ بيات شتوي .
١٠/١٠


The Exterminating Angel - 1962
الفيلم الذي لا يمكن تفسيره، هذا هو الوصف الذي يجمع عليه أغلب متابعي السينما تجاه رائعة الإسباني لويس بونويل هذه، عمل مرهق كمتابعة وتفسير، كابوس من نوع مختلف تقع به الشخصيات ونتورط كمتابعين معه، الكابوس ينجب كوابيس وهلوسات متادخلة مع بعضها يعري بها بونويل كعادته الطبيعة البشرية، البرجوازية والنظام الطبقي، السلطة الدينية، المؤسسات الحكومية، العلاقات الاجتماعية.
منذ المشهد الأول هناك شيء غير طبيعي يحدث، الخدم يريدون المغادرة بلا سبب وعلى عجل، أجواء العشاء البرجوازي تفضح الكثير عن زيف ونفاق تلك الطبقة، تلميحات إلى قوة سخرية تملكها صاحب المنزل تحول بها خدمها لدب، وجود غير مفهوم للماعز، اثنان من الضيوف عضوان ماسونيان، إحدى الضيفات أحضرت معها ريش وأرجل دجاجة يتضح خلالها إنها لأداء شعائر دينية، ثم سلسلة من التصرفات الغريبة تحول غرفة المعيشة في القصر إلى سجن أبدي.
وراء كل الأحداث الغرائبية التي تقع هناك تعرية قاسية للطبقة البرجوازية، تصويرهم كمجتمع منغلق هش محكوم بقوانين صارمة ضاعوا حين خرقوها، الأمر أشبه بفايروس بدأ بخرق بسيط (قام به العضو الماسوني) ثم تفشت العدوة وتطورت لتتحول إلى وباء، ومعها أخذ قناع الإنسان الحضاري بالسقوط وكشف عن وجه بدائي مرعب انحدروا معه إلى أماكن بغاية الانحطاط.
الإنسان كائن اجتماعي ولكنه يظهر أسوء ما فيه مع الجماعة، لذلك يميل إلى وضع القوانين التي تشكل حدود تفصله عن الآخر، يحولها كأسوار لقلعة يحمي نفسه فيها، أو يخفي حقيقته فيها ويظهر بشخصية مزيفة منمقة، وحين تُخرق القوانين وتتلاشى الحدود وتتورط الشخصيات بمكان واحد يظهرون جميعاً أسوء ما في الطبيعة البشرية، عذاب الشخصيات الحقيقي ليس نقص الماء وفقدان الطعام والدواء وانحدار النظافة والصحة، العذاب الحقيقي هو اضطرارهم أن يكونوا سويةً، أن تُخترق خصوصيتهم، أن يكونوا عراة أمام بعضهم.
المفارقة أن الجحيم الذي تقع به الشخصيات (البرجوازية) لم يحصل إلا حين تخلى عنهم الخدم (العامة)، البرجوازيون كانوا دائماً يعزلون نفسهم عن العامة متجاهلين إن بقائهم يعتمد على وجودهم، ليس فقط لخدمتهم ورفعهم، بل لتميز أنفسهم من خلال النقيض، حين اختفى النقيض أصبحوا جميعاً متساوين، والعامة الذين رفعوهم هم من اسقطوهم، لم يبقى لهم سوى رئيس الخدم، اخر من وقع في العزل معهم، حلقة الوصل بين العامة والبرجوازيين، يتورط معهم لأنه بداخله يميل لهم رغم أنه الأقل الاستفادةمنهم، وحتى حين يقع معهم بالسجن يبقى بالنسبة لهم مجرد خادم رغم عدم وجود خدمات يستطيع تقديمها، وفي الخارج نرى العامة ورجال الدين والمؤسسات الحكومية وقد تخلت عنهم وتركوهم ليتعفنوا.
من ناحية اخرى هو فيلم عن قوة الفكرة أو الكلمة، السجن بالعادة مكان مغلق الأبواب، سجن الشخصيات مشرع الأبواب ولكن لا تستطيع المغادرة، لأن سجنها الحقيقي هو أفكارها، الأمر الذي بدأ بإختلال سلوكي غريب لم تفهمه الشخصيات ففسرته على نحو مختلف ليصبح (حقيقة) بعقل الشخصيات، إن هناك قوى ما تسجنهم باختلاف التفسيرات، لتنتقل عدوى الكلمة للخارج، لا أحد يفهم لماذا الشخصيات محبوسة ولكنهم مقتنعين أن السبب غير اعتيادي لأنه غير مفهوم وبالتالي هو بالتأكيد خطير، لذلك لا أحد يجرأ على تحريرهم، أشبه بنظرة لعلاقة الإنسان مع المجهول ورعبه منه وإلى أين يمكن أن يأخذه هذا الخوف، ومن ناحية أخرى هو تحليل بسيط من بونويل للأسطورة والخرافة كيف تتشكل وكيف تسيطر على الجميع.
يستغرق بونويل وقتاً طويلاً بدراسة إنحطاط السلوك الإنساني يدعمه برسم مميز للشخصيات وخصائصها وعوالمها يغني جداً العمل ومحور الإنحطاط، ولكن هو ليس فقط فيلم عن إنحدار الإنسان، هو عن تشكيل المجتمعات، عن الإنسان الذي اكتشف نفسه وحيداً ومعزولاً وأعزلاً على الأرض، نزاع للبقاء وتأمين الحاجات الأساسية، ثم خاض سباق لعب به الاصطفاء دوراً ليقدم الأقوى ويترك الأضعف بالخلف، سلسلة ظواهر غير طبيعية حاول الإنسان إيجاد تفسيرات لها ترضيه ولو خرافية، ثم انقسام المجتمع إلى مجتمعات ووقوع النزاعات فيما بينهما واضطرار الإنسان لصنع قواعد وحلول تحمي بقائه، قواعد تبدو أيضاً كالخرافة، وهمية وغير حقيقية لأنها ستنهار في يوم ما مجدداً فطبيعة الإنسان المدمرة أكبر من القواعد ولن يستطيع أن يستمر بالتمثيل للأبد، والحضارة ستسقط وستعود السيطرة للطبيعة.
١٠/١٠



Incendies - 2010
منطق الحرب عدم وجود منطق ...
يذهب الكندي ديني فيلنو بهذه الفكرة لأقصاها، يعالجها من زوايا رومانسية وإثارة وإنسانية ونقد سياسي، يدور في دولة شرق أوسطية افتراضية (نعلم جميعاً أنه يعني لبنان الحرب الأهلية) يلجأ إلى افتراضية المكان ليجرده من الجدلية والخصوصية السياسية ويجعله رمز لكل حالات النزاعات الأهلية الطائفية والعرقية حول العالم، يذهب أكثر نحو الحالة الإنسانية، إلى الدمار النفسي الذي تحدثه الحروب على عوالم شخصياتها ويجعلهم جميعاً بشكل أو بآخر ضحايا لأجندات وأفكار وثقافات أكبر منهم.

الفيلم يسير على خطين زمنيين، ليس فقط بغرض الإثارة المصنوعة بشكل جيد بل لينقل شخصياته بين زمنين، زمن الزرع وزمن الحصاد، زمن كان فيه كل شيء مباح وزمن كشف حساب لما ارتكبوه بالماضي، لنرى إن الشخصيات جميعها بمختلف انتماءاتهم خرجوا خاسرين بطريقة أو بأخرى، والتويست بالنهاية - الذي قد يبدو مبالغاً - يبدو غرضه تعزيز هذه الحالة وتعزيز عدم المنطقية التي تسود الحرب و التأكيد على ناحية البحث عن الجذور التي يهتم بها الفيلم جداً.

جزئية البحث عن الجذور تشغل الفيلم بطريقة لا تقل أهمية عن تسليط الضوء على فظاعة الحروب، بل إن المحورين مربوطين معاً بطريقة متينة، تبدو رحلة بحث الشخصيات عن جذورها كابوسية بطريقة مؤرقة، وتبدو كشر لا بد منه، رسالة مبهمة عن ضرورة مواجهة الماضي بكل عيوبه وشوائبه والتصالح معه حتى لا نكرر كوارث التاريخ، يبدو كمسيرة الأوطان التي تنشأ بالحب وتمزقها الكراهية ثم تتجاهل سوداوية تاريخها وتلمعه، وتبدو الرحلة مهمة لنرى إن ندوب الحرب لم تندمل حتى على الصعيد الشخصي، حتى لو هربنا منها وتناسيناها ستبقى تطاردنا إلى أخر العالم، وآثارها ضاربة العمق بالمجتمع ولو تجاهلها وربما تنفجر بأي وقت بالأخص مع انعدام عدالة نتائجها حيث تساوى الضحية بالجلاد وقادة الميليشيات يعيشون بنعيم من دماء البسطاء الذين ورطوهم بنزاعاتهم.
الفيلم قاس جداً وفيه مستوى عال من الجرأة بتجسيد فظاعة الحرب ولوثة الكره وشهوة الدم بلا رتوش، يحاول فيلنو أن يلتقط جميع الآثار الممكنة للحروب على التعليم والثقافة والطفولة والعائلة والمجتمع، ويستغل أدق تفصيل ليجعله رمز لشيء معين يريد قوله.
هو ليس فقط فيلم عن الحرب وما تقتله بداخلنا، هو عن اللهاث وراء السراب، عن الضريبة التي ندفعها لتحقيق أمانينا، عن الهوية والحقيقة وتقبلها مهما كانت، نال ترشيح لأوسكار أفضل أجنبي وكان له الفضل بإنطلاقة فيلنو للعالم وتحوله إلى أحد أكثر العاملين شعبية بهوليوود اليوم، بهذا العمل تظهر ملامح أسلوبيته أو مشروعه الخاص بتقديم الروابط غير الاعتيادية بين الشخصيات، بقدرته الرفيعة على ضبط الإيقاع، بهووسه بالتويست، بهاجسه الخاص بفكرة الهوية وسط صراعات عامة وخاصة، بتصعيد حالة الإثارة والعاطفة بطريقة متوازنة واللعب بالتويست بتقديمه بين عدة تويسات وهمية، صحيح أنني دوماً انتقده لهووسه بمحاكاة مخرجين آخرين (سودربيرغ - لينش - نولان - فينشر - سكوت) بطريقة تضيع فيها هويته كمخرج دون أن يتخلى عن مشروعه الخاص عن هموم الهوية، ولكن بهذا العمل كان بأكثر حالته خصوصية وأصالة، بالأخص بذهابه إلى منطقة مجهولة بالنسبة لمخرجي الغرب - منطقة الشرق الأوسط - وتقديمها بروح ابن المنطقة وبأدق تفاصيها وأكثر صدقاً وبطريقة بغاية الواقعية وكأنه خرج منها، مع أداء رفيع من لبنى أزابال التي أتقنت الأداء بلغة غريبة عنها رغم إن اللهجة خانتها.
٩/١٠

Naked - 1993
العري في هذا الفيلم هو عري المجتمع أمام فشله ومخاوفه، الإنكليزي المخضرم مايك لي يقدم دراسة شخصية استثنائي من خلال جوي، مشرد فريد من نوعه أقرب ما يكون للصعاليك، مثقف لدرجة الفلسفة التي أصابته بلوثة جنون (عرّت) أمامه المجتمع ولم يعد يستطيع أن يراه كما كان، وربما بهذا هو الشخصية العاقلة الوحيدة في واقع ضائع يغرق بجنون لا نهائي، جوي يشعر أنه مخنوق بالواقع، فقد كل صلاته الاجتماعية، سجين بحقيقة إن البشرية تسير مسرعةً نحو فنائها.
مايك لي يغرقنا بهذه الحالة، يجعلنا مع رحلة جوني في شوارع لندن ليلاً نعيش بفوضوية خانقة نلمس فيها العدمية التي اعتنقها جوني ونشعر بنذور القيامة في كل مكان، لا يوجد شخصية واحدة يمكن أن نعدها متصالحة مع واقعها أو متزنة، جميع الشخصيات تعيش ضياعها الخاص وحالة انعدام وزن وإحساس بعدم الانتماء.
الفيلم هو تعبير عن كل مخاوف وفلسفة وأفكار وتناقضات فترة التسعينات، مايك لي (يعري) تلك الحقبة التي مثلت للكثير من الفلاسفة والمنظرين قمة الحضارة ومثلت لآخرين نهاية الحضارة وأنها المرحلة الأخيرة قبل النهاية، مايك لي يعبر بعظمة عن تلك الحالة، حالة الخيبة من أن هذه هي الذروة التي طمح البشر للوصول لها طوال آلاف السنين ولم يعد هناك مكان أبعد يذهبون إليه والطريق الوحيد هو للأسفل.
مايك لي بنى سمعته أنه مخرج الناس العاديين، وهنا يشرب الواقعية للثمالة، يقدم وجه آخر للندن لم نعتد مشاهدته، الحواري الخلفية و الشوارع القذرة، لندن الليل، لندن المشردين والمعاتيه والمضطربين، كاميرته تعشق المكان وتعطي مع كل قذارته جمالية تصويرية باستخدام إضاءة الطريق واللقطة المتسعة، ينقلنا إلى جو خانق في المشاهد الداخلية ويعطينا إحساس إن الشخصيات عملاقة وعالقة بأقفاص ويقزمها في المشاهد الخارجية ويجعلها تضيع في الشوارع والزحام، لا يخلو الفيلم من مغازلة لتحفة كوبريك برتقالة آلية ويتقاطعان في نقطة محددة.
مايك لي يصنع جو من التوتر ممزوج بكوميدية سوداء دون أن يسطح الفكرة، يحافظ على صرامة الموضوع بجو من السريالية المرهق، يعتمد بشكل كبير على موسيقى أندرو دنيكسون ويرمي الحمل الأكبر على القدير ديفيد ثويلايس الذي نال عن الدور سعفة كان كأفضل ممثل.
الفيلم كان بداية صداقة مايك لي مع مهرجان كان الذي منحخ جائزة الإخراج ونال بعد ثلاث سنوات سعفة أفضل فيلم عن تحفته أسرار وأكاذيب وحافظ على نفسه ضيف اعتيادي للمهرجان، ولكن بالمقابل لي لم يكن مخلصاً تماماً لكان، هو كذلك من المفضلين لفينيسيا ونال أسدها الذهبي عن فيرا دارك ٢٠٠٤ كما أنه من مدللي الأوسكار وأسمه تردد مرتين مرشح كأفضل مخرج وخمس مرات كأفضل كاتب مؤكداً صفته كأحد أفضل كتاب السيناريو بتاريخ السينما - رغم إن مكانته أكبر من مجرد كاتب استثنائي - والأمر مستحق بالتأكيد للاستثنائية التي يقدمها برسم الشخصية والحبكة وتطعيم العمل بحوارات عظيمة وسيناريو (عري) شاهد على ذلك.
٩/١٠


Ikiru - 1954

مع أن الياباني أكيرا كوروساوا قد شكل سمعته بفضل الأفلام الغارقة بالتراث الشعبي الياباني مثل راشمون والملحمة الأكثر إلهاما" بتاريخ السينما الساموراي السبعة، ولكنه حين يذهب للدراما الاجتماعية فأنه يظهر وجها" آخر لا يقل أهمية عن ملاحمه الفلكلوريا، بالأخص فيلمه هذا أكيرو - عش أحد أكثر أعماله شعبية والمقتبس عن رواية للروسي ليو تولستوي.

كوروساوا بفيلمه هذا يلعب بذكاء على الأزمتين العامة والخاصة للمجتمع والبطل، ويربطهما ويغذيان بعضهما بطريقة لا يسمح فيها لمحور أن يطغى على الآخر، يبدأ بذلك من الافتتاحية الممتازة جدا" بشرح الجو العام للقصة على الصعيدين الخاص والعام ووضع المشاهد بوسط الأحداث وتعريفه على الشخصيات الثانوية المهمة جدا" في ثلث العمل الأخير، النص محكم جدا" ومدعوم بتتابعات مونتاجية مبهرة، يعتمد كوروساوا على لغة إخراجية سريعة وخانقة تجعل شخصياته أسرى لنمط معين وروتين ممل تهرب فيه منهم الحياة دون أن يدركوها ويتقاسمون خسارتهم مع مجتمع كامل، الفيلم يزداد صعودا" بلا توقف مع التعمق أكثر بعالم الشخصية الرئيسية واتانابي - أداء عظيم من تاكاشي شيمورا -وعرض خيباته مع اكتشافه لمرضه وأدراكه أنه لم يعش خلال الثلاثين السنة الماضية وكل ما عاش لأجله كان بلا طائل.
قصة الفيلم شعبية جدا" وكعادة أغلب أفلام كوروساوا مقتبسة عدة مرات من مختلف أنحاء العالم، واتانابي يقرر استغلال الأشهر القليلة التي بقيت له ليعيش ويستعيد حياته المفقودة، يخوض مغامرات ماجنة مع كاتب سكير فاشل، وهذا القسم من العمل يصنعه كوروساوا بتتاليات مكررة ونمطية تغذي إحساس الملل لدى المشاهد ليدفع واتانابي نحو المنعطف الأهم بقصته، ليس أن يعيش بل أن يكتشف الطريقة الصحيحة للعيش وأن يهزم الموت بإنجاز يجعله خالدا" بقلوب الناس.
الفيلم فيه مفارقة درامية جميلة عن الشخص الذي بدأ بالحياة بعد أن خسر كل شيء ونجح بهزيمة الموت بعد أن أسره لثلاث عقود، ويربط بين أزمة واتانابي مع السرطان والروتين وأزمة المجتمع الذي يعاني من سرطان البيروقراطية التي تقتله وتجعله ميتا" من الداخل، ينجح كوروساوا بالتنقل برشاقة بين أزمة بطله وأزمة المجتمع وجمعهما بخط واحد، يستعمل مختلف أساليب السرد السينمائية بنجاح من العرض الكلاسيكي إلى الفلاش الباك، يحول واتانابي من شخصية مستضعفة إلى بطل شعبي، ينزع عن فيلمه الخصوصية السينمائية نحو سرد أكثر عالمية وقريب من مختلف المجتمعات بمختلف الأزمان - وهذه ميزة كوروساوا بمختلف أفلامه حتى التراثية ولكن هنا كان أكثر عالمية -
فيلم عظيم عن الحياة وصراعها الدائم مع الموت، عن سعي الإنسان الدائم للخلود، عن الطريقة الصحيحة للحياة.
١٠/١٠




Tokyo Story - 1953
في هذا الفيلم يأتي أوزو بكل التناقضات الاجتماعية ويخلطها سوية"، جيلين، حقبتين، بيئتين، صانعا" واحدا" من أكثر ما شاهدته له حميمية، قصة والدين عجوزين يخوضان رحلة من الريف الياباني إلى طوكيو الناهضة من ركام الحرب العالمية الثانية لزيارة أولادهما.
أوزو مخرج صنع أسلوبيته السينمائية من تفاصيل الحياة العادية والأفكار المحافظة مع روح تقدمية مضبوطة ومن الأناس التقليديين والعلاقات العائلية البسيطة وقدم قصصه الحميمية ضمن هذه العوالم (لا عجب أن يكون أهم المؤثرين بالسينما الإيرانية بعد الثورة) أوزو هنا لا يحيد عن أسلوبيته ولا يبتعد عن الأفكار أو المشروع الذي خطه لنفسه، التغييرات الاجتماعية في يابان بعد الحرب، بل يحفر أعمق من السابق، يبدأ فيلمه بالريف وبتفاصيل حياة روتينية عادية لعجوزين على حافة السبعينات معززا" فكرة الاستقرار وأن لا شيء يحدث والأحداث اليومية والوجوه نفسها تتكرر منذ زمن طويل وإلى أجل غير مسمى، مؤكدا" على فكرة إنتماء شخصيتيه الرئيستين إلى زمان ومكان بعيد ومعزول عن جنون العالم الخارجي، ثم يرميهما بطريقة القفزة إلى وسط طوكيو التي تسابق الزمن لتنهض من تحت الركام وتواكب العالم وتسبقه مشكلة" هوية" وشكل جديد بعيد عن كل ما يعرفه هذين العجوزين غير القادرين على الانتماء للزمان والمكان الجديدين.
أوزو يحول رحلة الوالدين إلى بحث اجتماعي معمق جدا" لشكل اليابان الجديدة ممثلة" بطوكيو بعد الحرب، وكيف حولها السباق بين الأمم إلى وحش يلتهم العلاقات الاجتماعية ويتغذى عليها، يعطي إحساس عالي بالاغتراب تعيشه الشخصيات بدرجات متفاوتة، يقدم عقدة المدينة الكبيرة التي تبتلع ساكنيها بطريقة تبدو سابقة لزمانها ومتفوقة حتى اليوم، الشخصيات دائما" مشغولة وتعيش بقلق مادي وغير راضية عن واقعها، تؤجل مشاريعها الخاصة وتتناسى أحلامها الكبيرة، تتجاهل عواطفها البشرية الإنسانية وعلاقاتها العائلية فقط لتبقى ضمن العجلة التي تتزايد سرعتها يوميا".
الشخصيات لا تعيش فقط اغترابها الذاتي وإنما ضياعها عن ذاتها، العجوزان هما الأكثر ضياعا"، يشعران أكثر وأكثر بغربتهما عن المكان والزمان وغريبان عن أولادهما اللذان لم يعودان يعرفوهما، يقدم أوزو خليط جميل من العلاقة بين الوالدين وأولادهما، إحساس بالحب الفطري والخيبة وعدم الجدوى من الندم أو المعاتبة بعد مضي الزمن وفوات الأوان وإدراكهما إن الزمن يتغير بسرعة لا يستطيعان مجاراتها، يشكلان العلاقة الأكثر حميمية مع زوجة ابنهما المختفي من أيام الحرب، علاقة فيها الكثير من العاطفة عن والدين يبحثان عن آثر أخير لابنهما وزوجة تحاول التواصل مع زوجها المختفي من خلال والديه، ومن خلال هذه الجزئية يقدم أوزو خط درامي اعتاد على تقديمه بأعماله عن المرأة التي تعيش استقلاليتها وترفض الزواج والارتباط لاسباب عاطفية خاصة.
الفيلم يرتقي بثلثه الأخير ليصبح أكثر عاطفية بطريقة بعيدة عن كل التآثيرات العاطفية الكلاسيكية، يتحول إلى كشف حساب تواجه به الشخصيات ذاتها وتحصي خسائرها الحقيقية في سباق العالم المعاصر والذي يبدو أنه سباق بلا جدوى على الصعيد الشخصي.
في الثلث الأخير يلعب أوزو بطريقة قوية على جزئية الخسائر التي لا يمكن تعويضها، ولكن المآساة الحقيقية هي بعدم التعلم من كل تلك الأخطاء المرتكبة لتفادي خسائر جديدة، الشخصيات تأخذ مساحتها الخاصة للندم ولكن لا تغير شيء بسلوكها بعد أن باتت مدمنة على النمط الحياة الحديث ، ولا يبدو الندم يتجاوز كونه واجب اجتماعي، فحتى في هذا القسم العاطفي تتصرف الشخصيات بطريقة بغاية الروبوتية، واضعا" هنا أوزو أخر التناقضات بوجه بعضها، الحياة والموت، الموت يباغت الإنسان ولكن الإنسانية تهزمه بالإصرار على الحياة والتقدم للأمام، وتبدو هنا عبثية الفكر الإنساني، ركوب قطار الحياة نحو وجهة غير واضحة، تجاهل الاستمتاع بالرحلة والتركيز على الوصول إلى المحطة الأخيرة ... الموت
١٠/١٠


tag

Black Narcissus - 1947

قبل عام من صنعهما رائعتهما الحذاء الأحمر، قدم الإنكليزيان مايكل باول وإيمرك بريسبيرغر قصة تتقاطع في ظاهرها مع تحفتها الأهم، عن اللعنات غير المنطوقة وصراع الذات الدائم بين طبيعتنا وبين ما يفرض علينا، قصة خمس راهبات يخرجن من عزلتهن ويذهبن إلى أقصى جنوب شرق آسيا لإنشاء كنيسة، ولكن المهمة تنحرف ليصبن بالجنون، لا تعرف هذا الجنون سببه لعنة المكان أم هي أشياء في نفوس الراهبات أخفينها طويلا" وحاولن كبتها ولكن سحر المكان فجرها.

الفيلم ناضج جدا" وسابق لزمانه بتحليل الحالة النفسية لشخصياته، تقديم نزاع الغريزة ضد القيود التي نفرضها عليها لأسباب مختلفة، الشخصيات كبتن انفسهن طويلا" وعزلنها حتى نسين أنهن بشر وإناث ، وفي لحظة وحدة انتقلن بطريقة تشبه القفزة إلى مكان يحوي سحر وجمال وكل اللذات التي حرمن أنفسهن منها، عدن ليتذكرن من هن ويتواصلن مع ذاتهن البشرية والإنثوية، واكتشفن إن تلك العزلة التي فرضنها على أنفسهن لتجعلهن أقوى حولتهن إلى كائنات بغاية الهشاشة لم يصمدن في العالم المفتوح، قفزت أمامهن خيارات بحياة متعددة الألوان، وتذكرن أن الحياة ليست بلون واحد، وأمام هذه التغييرات انهارت حالتهن النفسية حتى فقدن السيطرة على ذاتهن.
العمل مؤسس بطريقة قوية منذ المشاهد الأولى يؤكد لنا إن الراهبات لسن مؤهلات لهذه المهمة وأن إحداهن تعاني من اضطرابات خاصة وغير مؤهلة بعد لنظام الحياة الدينية الصارم، ويركز على سحر المكان ويستغرق فيه ويعطي الشخصيات الثانوية مساحتها الوافية، المخرجان يبدعان بإعطاء طابع سحري ما وراءي للعمل، محولان المكان إلى نجم الفيلم الحقيقي بفضل مدير التصوير جاك كارديف الذي قدم لوحات تصويرية واستفاد من الطبيعة ورحابتها وألوانها وتشكيلاتها ومزجها بانتقالات موفقة للتصوير بأماكن عاتمة وضيقة واستعمال الظلال والضباب.
الصراع بالعمل يتصاعد بهدوء ليصل لذروة مجنونة بطريقة أقرب للسريالية، قدم من خلالها المخرجين متتاليات مرعبة وبغاية الأصالة في ذروة العمل بفضل أدائيين عظيمين من ديبورا كير وكاثلين بيرون.
٩/١٠






Shame – 1968
العار في هذا الفيلم هو الحرب، هي العار الحقيقي الذي يشوب البشرية منذ نشوئها، برغمان صنع هذا الفيلم بعد مرور أقل من ربع قرن على انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي فترة جنون العالم بالحرب الباردة وسباق التسلح وحداثة العهد بأزمة الصواريخ الكوبية وتسرب أخبار كوارث حرب فيتنام، هو تعبير عن مخاوفه الخاصة ومخاوف البشرية عامةً من الحروب وسيطرة التطرف والفاشية، يتخيل وقوع حرب أهلية في السويد تمتد لسنوات طوال حتى تعتاد الشخصيات حالة الحرب وتنسى سببها وتصبح الحرب غاية بحد ذاتها تحرق كل شيء في طريقها.
هو ربما أقسى أفلام الحروب التي شاهدتها وأصدقها، بالنسبة لي كسوري فالفيلم مؤلم جداً وبلدي يعيش أيام وأحداث مشابهة بل مطابقة لما شاهدته بالفيلم، ليست القضية تنبئ مستقبلي، فالحرب هي الحرب بكل بشاعتها ووحشيتها لا تختلف من مكان لآخر، الصورة قاسية جداً لا ترحم ولا تجامل، يقدم برغمان الحرب بصرياً ببشاعتها الحقيقية، فيلمه قريب للملحمية ومكلف بطريقة بعيدة عن الاستعراضية ومهمة للتعبير عن الجو الوحشي السريالي الذي تدور فيه الأحداث.
ما يهم بيرغمان بالدرجة الأولى هي الانعكاسات النفسية للحرب على نفوس شخصياته، الحرب قوة هدامة تدمر كل جمال، الشخصيات تعيش جحيم واحتضار بطيء، الموسيقى توقفت، الفن تعطل، الناس يخشون من الإنجاب، لا يرون مستقبل وغد يعيشون لأجله، يخافون من الموت دون أن يوجد سبب حقيقي يدفعهم للتمسك بالحياة، المدارس تحولت لمعتقلات، الأطباء تحولوا لجزارين، قيمة الإنسان لا تساوي رصاصة، والخير والإحسان تتحول إلى وسيلة استغلال، برغمان يقدم زمن ضاع فيه مفهوم الشرف واختلفت فيه المفاهيم والمعايير أصبح فيه الإنجاب جريمة و قتل طفل وسيلة للنجاة.
أخطر ما يقدمه بيرغمان في عمله هذا هو نظرته لتحول الإنسان من كائن حضاري مسالم إلى وحش، يريك كيف إن الحرب لا تترك للإنسان سوى خيارين إما أن يبقى ضحية أو يتحول إلى وحش، فيه دراسة تحول نفسية مميزة جداً وصاعقة وممثله الآثير ماكس فون سيداو لعب بالشخصية باحترافية عالية وقدم معه أحد أفضل أدواره بالتوازي مع العظيمة ليف أولمان التي تقدم أداء استثنائي ربما هو الأهم بمسيرتها مع بيرغمان.
علاقتي مع سينما برغمان مضطربة عادةً، جوه الكئيب السوداوي يحبطني لذلك أترك دوماً فترات متباعدة بين متابعتي لأفلامه ولكن لا استطيع إنكار أهمية وقوة أعماله، برغمان كما هو معروف ذا خلفية مسرحية بالأصل، لذلك في أعماله دوماً تركيز على قوة الحوار وأداء الممثل، ولكن مسرحية الرجل لم تمنعه من أن يصنع لغة سينمائية عظيمة خاصة سواء بأفلام الأبيض والأسود أو الملونة، هنا شعرت أنني أشاهد برغمان بأكثر حالاته سينمائية، أكثر حتى الختم السابع والتوت البري و صرخات وهمسات، الحوار مختزل جداً ويعتمد بأغلبه على التلميح مانحاً المجال للصورة للتكلم، هو ربما أكثر أعماله اهتماماً بالصورة والتقنية لدرجة تصل – كما ذكرت بالأعلى – إلى الملحمية، الفيلم هو الحلقة الثانية من ثلاثية أطلقها بين عامي 1968 و 1969 ، بدأت بـHour of the wolf واتبعها بهذا الفيلم وختمها بـ Passion of Anna
10/10



Ordet - 1955
في فيلمه الفائز بأسد فينيسيا الذهبي يقدم الدنماركي كارل ثيودور درير قصة روحية عن معنى الإيمان ومعنى أن تكون متدين والفارق بينهما، عمله عن قوة الإيمان الحقيقية في حياة الإنسان والامتحانات المرهقة التي يتعرضوا لها والحكمة من وراءها.
يدخلنا في يومين من حياة شخصياته يعرضهم فيها لمواجهات متتالية مع أصحاب معتقدات مختلفة أو مع ملحديين والأهم والأخطر مواجهة مع الشكوك الذاتية حول مصداقية وصوابية الإيمان، يلخص هذه الصراعات بشخصية مورتن بورجن (أداء مذهل من هينريك مالبرغ) مزارع وكاهن كنيسة صغيرة في قرية تتبع مذهب مختلف، أرمل وولده الأكبر يوهانسون (أداء ممتاز من بردن لودورف راي) الذي كان أمله بأن يخلفه وينشر المذهب مصاب بلوثة عقلية بسبب انكبابه على دراسة اللاهوت جعلته يعتقد أنه المسيح المخلص، صدمة مورتن بيوهانسون يكملها عليه ابنه الأخر الملحد الذي لا يتوقف عن لوم والده على مصير أخيه، وابنه الأصغر اندرياس مغرم بابنة كاهن الكنيسة المخالفة ويريد الارتباط بها عكس إرادة والده، سلوى مورتن الوحيدة هي بزوجة ابنه التي ترفع معنوياته دوماً وتلعب دور الموازن في العائلة المتناقضة، ولكن لا تستطيع أن تساعده بأكثر مواجهاته إرهاقاً مع شكوكه الذاتية حيال صمت الرب اتجاه صلواته وشعوره بالخيبة من خذلان المعتقد الذي نذر له حياته.
درير يصور حالة الإيمان عند مورتن إنها قضية تتعلق بالكرامة أكثر منها إخلاص لمعتقده، كرامته لا تسمح له أن يعترف لأحد ولا حتى لنفسه أنه كان مخطئ مما يعذبه أكثر، هذا الصراع الذاتي يتصاعد حين يرفض الكاهن الآخر طلب أندرياس بالزواج من ابنته ويطرده وينعته ووالده بالكفر، الكرامة المجروحة تدفع مورتن ليغيير موقفه من رغبة ابنه ويؤيده برغبة زواجه ليرد الإهانة ويثبت للجميع أنه مؤمن وليس كافر مع احتفاظه بمعتقده، هنا يأخذ الفيلم شكل معالجة جديدة وجميلة لمآثرة شكسبير روميو وجوليت دون أن يغرق بها، ينسحب منها بالوقت المناسب ليحافظ على هويته ويستمر بطرح أسئلة إيمانية مرهقة جداً.
المنحى الروحي للعمل يتصاعد بقوة في الثلث الأخير ويصل للذروة بطريقة تخطف القلب، يتجاهل كل الفوارق الدينية كل الحقائق العلمية ليجعلنا نصمت أمام الحقيقة الوحيدة التي لا جدال حولها (الموت)، أمام الموت تنهار كل الحقائق والمعتقدات والفوارق والأفكار والخلافات، يغرقنا درير بالحدث بطريقة بغاية الروحانية والعاطفية يرجف معها القلب ثم يسحبنا إلى ما وراء الحدث ليستمر بطرح الأسئلة المرهقة، ما الجدوى من كل الشيء؟ ما الحكمة من المصيبة؟ ما غرضها؟ هل هي صفعة من الرب أم طريقة أخرى ليوجه لنا رسالته؟ هل فعلاً الرب صامت أمام صلواتنا أم إن صمته هو لغة خاصة لم نفهمها؟
درير يذهب بأسئلته إلى أبعد من ذلك، إلى صلب العقيدة، هل من الممكن للمعجزات أن تحصل اليوم؟ لماذا توقفت المعجزات؟ هل قتلها العلم أم إن العلم هو وجه أخر للمعجزة؟ هل للمعجزة شروط خاصة لتتحقق؟ هل هي سبيل إلى إيمان قوي أم إنها تحتاج إلى الإيمان القوي لتحدث؟ أين هو الإيمان الحقيقي؟ هل الإلتزام بالشعائر وترديد الصلوات وارتداء ملابس رجال الدين كاف لنكون مؤمنين ؟ أم إن الإيمان هو حالة قلبية خاصة بمعزل عن كل الشكليات والطقوس؟
قوة النص التي بني عليها العمل يترافق مع لغة سينمائية إخراجية عظيمة، كل عناصر الفيلم موضوعة بالمكان الصحيح وموظفة لتقدم فكرة معينة، الكوادر والظلال وزواية التصوير والميزاستين والقطع واستغلال مساحة المنزل والتصوير الخارجي كله مخدم ليعطي العمل مع الدراما القاتمة والروحية العاطفية جو مضبوط ومشدود من الإثارة التي خدمت الحالة الدرامية بطريقة ممتازة ونجحت بكسر الحاجز بين الفيلم وبين متابعه من أي معتقد كان لتقدم له وجبة روحية عاطفية من أعظم ما قدمته السينما.
١٠/١٠
tag






أفضل 10 أفلام 2018



نعِت العام المنصرم 2018 بأنه عام سينمائي فقير، إن نظرنا له من الواجهة الهوليوودية فهذا صحيح إلى حد ما، الأعمال الأمريكية كانت متوسطة المستوى إلى جيدة دون وجود عمل يمكن اعتباره علامة فارقة إلا ما أخرجه مخرجين من خارج المنظومة الهوليوودية، ورغم وجود استثنائيات جيدة أمريكية ولكن لم تترك بصمة، والأسوأ إن الأعمال التي تقدمت لصدارة موسم الجوائز هي فقيرة جداً، بالمقابل فإن السينما دولياً كانت متوهجة، كثافة الأعمال المميزة فرضت نفسها حتى على الداخل الأمريكي فكان أحد أكثر الاعوام الذي تستحوذ فيه أعمال غير أمريكية على ترشيحات الأوسكار بمختلف الفئات، وكثافة هذه الأعمال الجيدة هو ما سبب تأخري بوضع قائمة لأفضل 10 أفلام، ورغم أنه ما زال الكثير لم أشاهده ولكن الوقت حان لإصدار قائمة مع بداية موسم جوائز 2019 بمهرجان فينيسيا وكل عام وأنتم بخير.

Roma – 2018


أسمع دوماً إن المعالجين النفسيين ينصحون المصابين بالاكتئاب بكتابة مذكراتهم ليواجهوا ذكرياتهم السيئة والجيدة، ويحاولون فهم الأيام العصيبة والتصالح معها وتجاوزها، كوارون يفعل هذا ولكن بطريقة سينمائية، يستحضر ذكرياته المؤلمة والمرحة، يعيد تشكيلها ومواجهتها ليفهمها ويتصالح معها ويتجاوزها، هي عودة فيها شيء من الحنين، شيء من محاولة فهم الأمور التي مرت وأسبابها، شيء من التكفير والاعتذار لشخصية هامة بحياته مرت دون أن ينتبه أحد لما تعانيه هي ومثيلاتها، كوارون اتحذ خياراً غريباً وأنانياً حين قرر أن يكون هو مدير التصوير لعمله لا غيره حتى شريكه الآثير أمانويل لابوزكي، ربما لأن ما يريد تقديمه لن يستطيع أحد – حتى المصور الأهم اليوم – أن يقدمه كما يتخيله ويتذكره، كوارون بتصويره يبدو ممثلاً إضافياً خفياً بالعمل، وكأنه بحالة انتقال روحي عاد إلى الماضي وهو يحمل كاميرا ويصور يوميات عائلته وتفاصيلها، الكاميرا تتحرك بتأني شديد، بأسلوب تلصصي، تراقب الأحداث من بعيد، تتحرك بتأني، تسكب الحياة على أماكن وذكريات كساها غبار الزمان ويعيد أحيائها بالكثير من الحنين والحب.
في فيلم كوارون الشهير ( ... Y Tu Mamá También ) تتحدث إحدى الشخصيات عن خادمة قديمة كانت تعيش معهم وكان يحبها كوالدته ثم اختفت وهو بشوق لها، فيلمه الحالي هو عن هذه الشخصية، محاولة سينمائية للقاء بغائب طال الشوق له وتقديم الاعتذار له، يمشي العمل على خطين، خط رواية قصة الخادمة كليو من خلال عيني كوارون، وخط رواية قصة العائلة والمكسيك وجذور موهبة كوارون ونشأته من خلال عيني كليو، وهو أمر غريب وليس سهل أبداً، يحيد شخصيته تماماً ويقدم ذكرياته ليس كما رآها وعاشها، بل كما رأتها كليو وكأن العمل لقاء توثيقي معها، يبدأ عمله بصورة للبلاط الأصم وحين يسكب عليه الماء يحوله لمرآة لنافذة على سماء مفتوحة بلا حدود تخرقها طائرة في رحلة مجهولة الدرب، البلاط الأصم هو كليو وكاميرة كوارون هي الماء التي جعلتها مرآة لعالمه وذكرياته وبلده، ولكن وبحركة شديدة الوفاء يجعل من أحد أهم الحوادث بتاريخ المكسيك وأهم حدث بتاريخ عائلته على الهامش ويضع قصة كليو – الهامشية جداً مقارنة بالأحداث الجلل التي تحدث – في المقدمة ويجعلها انعكاساً لأزمة بلده ومجتمعه.
كوارون يأخذ حيز واسع لذكرياته، العديد من التفاصيل المهمة في ماضيه والتي يبدو إنها آثرت به يعطيها الحياة ويجعلها تلامس الجمهور ويفهمها، صوت الباعة، لعبه مع أخوته، كيف كان يدخل والده بسيارته، ووداعه الأخير له، حادثة شجار بين أخوته كادت أن تؤدي إلى كارثة، سقوط المطر، تفاصيل يومية بسيطة جداً يركّبها كفسيفساء لتشكل لوحة ماضيه، يعطي للمكان أهمية بالغة جداً، منزل العائلة بطل رئيسي بعملنا هذا، يتجول به بحميمية وينقل هذه الحميمية لنا ويجعله قريباً جداً للجمهور ومريحاً له ومعتاد عليه، كوارون في هذا العمل هو طفل العائلة الأصغر تيتو المفضل لدى الخادمة كليو، يلعب معها لعبة التظاهر بالموت، تعجب كليو بتلك اللعبة وتقول (من المريح أن تكون ميتاً) ثم تتسع الكاميرا لتصور عشرات الخادمات مثل كليو اللواتي يعملن على أسطح منازل يقطونها ولكن لا يعيشون فيها، فيلمه هذا يهتم جداً بهذه الجزئية ويتعمق بها، أن تسكن ببيت مع عائلة ولكن آلا تعيش معها، أن تكون حتى وأنت تقاسمهم تفاصيل حياتهم اليومية غريباً عنهم، هذه الجزئية صادقة جداً هنا ومؤلمة، يعبر عنها كوارون بمشاهد بسيطة كمشهد العائلة وهي تتابع التلفاز، مشهد تحميل السيدة صوفيا اللوم لكليو على تسببها بابتعاد زوجها وغضبه، أو لومها على تلصص أبنها عليها، والمشهد الأقسى هو في المشفى أثناء ولادة كليو حين لا تعرف السيدة العجوز أن تجاوب على أي سؤال حول معلومات بسيطة جداً عن كليو وعائلتها وعمرها، طوال الوقت يتم التعامل معها على أنها مجرد غرض إضافي في المنزل، شيء مرمي للخدمة فقط بلا حياة، لا تتكلم، لا تعبر، لا حياة لها، لا أحد يهتم بحياتها ولا بما تعانيه، حتى المآزق الذي تمر به تتعامل معه العائلة بالحدود الدنية.
كوارون لا يجعل لبطلته صفات مميزة، يصر على أنها شخصية تشبه المئات من الشخصيات التي مرت بالحياة ولم يشعر بها أحد، يؤكد على ذلك بالعديد من المشاهد سواء مشهد السطح أو المشفى أو غرفة التوليد، هي سليلة السكان الأصليين، قادمة من الريف لتعمل في المدينة كخادمة، شخصية مقتنعة بقدرها وحدودها في الحياة إنها مجرد عنصر هامشي، تحاول أن تسرق من الحياة لحظات، وحبن تنجح بأن تكون لها حيز خاص تقع بورطة ولا تجد سند، حتى عائلة سيدها تعينها من باب ذرّ الرماد بالعيون، ويزيد الطين بلّة إن ورطتها تأتي في وقت المصيبة التي تحل بالعائلة والتي تزيدها هامشية على هامشيتها، رغم إنني أتوقع أنه حتى لو كانت ظروف العائلة أفضل لما كان أختلف شيء بتعاملهم مها ومع مصيبتها، كوارون ينتصر لهذه الشخصيات الهامشية، يجعل لكليو صفات شبيهة بالقديسة، في مشهد التحدي الذي يرميه البروفيسور زوفيك على تلاميذ الفنون القتالية والذي يصفه بأنه تحدي لم يستطع سوى كبار المعلمين والروحانيين اتقانه نرى بأنه لم يستطيع أحد من التلاميذ والحضور اتقانه، ثم يرينا كوارون بمشهد عابر أن كليو استطاعت كسر التحدي، وفي مشهد لاحق نرى أن الشاب الذي انغمس بعالم الفنون القتالية حتى يصل للصفاء الروحي تحول إلى بلطجي سلطة.
هذا العمل لا ينفصل عن أعمال كوارون السابقة عن جنوحه الروحي نحو العناية الإلهية، مشهد الزلزال وسقوط الحجر على حجرة حاضنة حمت رضيع من الموت يرينا به كوارون كيف إن الرب يعمل بطريقة غير مفهومة، فالطفل الذي ربما ولد قبل أوانه أو ولد محملاً بمرض جعله يوشك على الموت كانت هذه الحالة هي الفضل بحمايته من موت آخر محقق، الأمر يؤكد عليه كوارون من خلال إجهاض كليو، إجهاضها جعل لديها حالة حنان فائض حساسة اتجاه الأطفال، مدفوعةً بذنب تمنيها فقدان أبنتها، لذلك فاندفعت بطريقة جنونية رغم عدم إتقانها السباحة لإنقاذ طفلي العائلة من الغرق حتى ولو خاطرت بحياتها، خسارتها لرضيعها جعل له الفضل بإنقاذ حياة طفلين آخرين .
يرتبط العمل أيضاً بمشروعه الآخر الذي عبّر عنه بجلاء برائعته Y Tu Mamá También عن حالة التناقضات في المجتمع المكسيكي والنفاق والتشوه الاجتماعي الذي يعيشه، يجعل من العائلة صورة مصغرة عن المكسيك المكونة من عناصر متناقضة وتعيش بطريقة مركبة هشّة رغم شكلها الاجتماعي الظاهري البرّاق، يتسع فيما بعد ليجول عبر المكسيك ويعطي للتناقض والتشوه بالمجتمع المكسيكي صورة أعم، يرينا صورتين متناقضتين لمجتمعين متلاصقين ولكن منفصلين كالماء والزيت، مجتمع على السطح ومجتمع تحت الأرض، حين يدخل إلى الريف يرينا الشكل الحقيقي غير الظاهر للمدينة عن الفقر والجوع والإهمال والجهل والظلم، حوارات عديدة جانبية عن الصراع الخفي بين الطبقة البرجوازية والفلاحيين والذي يوشك أن ينفجر والجميع يتجاهله، يحصل حريق في الغابة لا أحد يعرف حقيقة مصدره، ولا يهرع أحد من الفلاحيين ليطفئ النار، يتخلون عن البرجوازيين الذين يتكفلون لوحدهم بإطفاء الحريق، وخلال الحريق يتجول شخص يرتدي زي لوحش أسطوري ينظر بعين حذرة متنبئة بالخطر وينشد أنشودة دينية تحوي لهجة خوف وإنذار وطلب مغفرة من القادم.
صحيح إن كوارون يضع كليو بمقدمة الحدث ويجعل باقي الأحداث هامشية ولكن لا يقدمها منقوصة، قصة العائلة وأزمتها مقدمة بطريقة وافية، وكذلك الحدث السياسي مع صعود ألفاريز في بداية السبعينات يرمي بظلاله على الأحداث بطريقة تصاعدية ويدخل بصلبها ويؤثر بها بطريقة ذكية جداً غير مفتعلة، يجعل من كليو وعائلة أسيادها مرآة لمعاناة المكسيك وحصيلة تشوهاته وضحيتها، هذا التوازن العظيم وتداخله بطريقة دقيقة هو ما يعطي للعمل قيمته، حتى إن خط انهيار العائلة لا يبدو مجرد خط موازي يسير إلى جانب خط كليو فقط، بل يكمل الحدث ويربط بينهما كوارون بطريقة مبهرة، في أحد أهم مشاهد العمل تتجرد السيدة صوفيا من ثوبها البرجوازي وتعود لحقيقتها امرأة وحيدة مجروحة، وتخاطب كليو بهذه الصفة وتقول لها (إننا النساء سنبقى دوماً وحيدات)، هذا المشهد وتكامله مع المحاور التي بدأ بها يعطي كوارون فيلمه هوية نسوية جميلة، عن النساء المتروكات الوحيدات اللواتي يواجهن العالم لوحدهنً، فعلاً بالعمل لا يوجد بطولة حقيقية لرجل راشد، الرجل مغيّب والنساء لوحدهن هن اللواتي يعتنين بالعائلة ويحافظن على توازنها ويتحملن ضريبة ما يفعله الرجل وأخطائه.
يدور الفيلم عن كليو والعائلة والريف والمكسيك وألفاريز والاضطراب السياسي والتركيبة الاجتماعية، ثم يعود إلى كوارون نفسه، كوارون أو تيتو هو بوصلة الفيلم، كل ما نراه يدور بالحقيقة عنه هو، الأمور التي شكلت شخصيته وآثرت في طفولته، والدته، والده وسيارته، جدته، أخوته، كليو، الوضع السياسي، الألعاب التي لعبها، الأفلام التي شاهدها، المنزل الذي عاش فيه، الرحلات التي ذهب بها، كلها أمور صنعت كوارون الذي نعرفه، بدايةً من نبوغ خياله بسن مبكر والقصص التي يرويها عن حيوات قديمة يتخيل أنه عاشها، طفل بهذا الخيال المتقد يستقبل الأحداث حوله بعين مختلفة عن غيره، ويعالجها عقله بطريقة مختلفة، استغراقه بتفصيل التناقضات المجتمعية وحالة النفاق في المجتمع المكسيكي في عمله هذا تصل لدرجة تجعل من Y Tu Mamá También تتمة له، يبدأ ذاك حين ينتهي روما، وحين يتحدث تيتو عن مشاهدته للطفل الذي قتله العسكريين في الشارع وأنفجار رأسه لا نستطيع سوى أن نتذكر مشهد انفجار رأس جوليان مور في أطفال الرجال، وحين نرى كيلو تركض وهي حامل مع السيدة العجوز في المشفى تحت ضربات الرصاص نتذكر كلايف أوين وهو يهرب مع الطفل الرضيع تحت ظلال المعركة في أطفال الرجال أيضاً، الطفل الذي مات في روما نتيجة الفوضى السياسية في المكسيك، يحيه كوارون في أطفال الرجال ويجعله وسيلة لإنهاء الصراع حول العالم، أفلام الفضاء التي ذاع صيتها في نهاية الستينات وبداية السبعينات شكلت البذرة الأولى لمشروع غرافتي ويؤكد كوارون على ذلك بطريقة مباشرة، وقوة الترابط العائلي الذي نشأ عليه كوارون بقيت موجودة معه حتى بحياته السينمائية، لذلك ليس من المستغرب أن يكون أخاه كارلوس شريكه بكتابة Y Tu Mamá También وأبنه يوناس شريكه بكتابة غرافيتي، وعلاقاته بشركائه أليخاندرو كونزاليس وغيلرمو ديل تورو و إمانويل لابوزكي وغايل غارسيا برنل مستمرة لليوم منذ أكثر من عقدين بنفس القوة وأهدى لهم العمل.
هذا الفيلم تحفة سينمائية متكاملة، قطعة فنية كلاسيكية، رواية مكتوبة بالكاميرا، عظيم على صعيد السيناريو والتصوير والمونتاج والأجواء المكانية والزمانية وتفاصيلها وأصوات البيئة، مبهر بالآداءات التمثيلية من طاقم تمثيلي غير محترف، فيلم مصالحة مع الماضي ومشاكله وذكرياته ومحاولة فهم لماذا غرقت البلاد في فوضى سياسة السبعينات، فيلم انتصار لكل المهمشين والمنسيين ومعاناتهم ومحاولة تقديم اعتذار لهم وتحية لجهودهم ومأساتهم التي لم يشعر بها أحد، ينهي فيلمه على السطح، بلقطة واسعة للسماء المفتوحة وطائرة تخترق الأجواء مجدداً، أنهى رحلته بالانتقال العامودي من الأرض للسماء، كل شيء أختلف على الأرض ولكن السماء لم تتغير ولن تتغير، والرحلة ستبقى مستمرة بلا نهاية، القصة لم تنتهي هنا ولم تبدأ حتى هنا، هي فقط قطعة من الحياة أطرها كوارون بشريط سينمائي، هي المرحلة التي أثرت فيه بشكل بالغ ولكن هي ليست الوحيدة، هي نهاية مرحلة ولكن انطلاقة لمراحل أخرى ولتطورات وتغيرات لن تنتهي يوماً .
10/10

tag

Cold War – 2018




الفيلم الذي أكسب البولندي بافل بافيلكوفسكي جائزة أفضل مخرج في كان – سبق له وأن نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن Ida 2014 – هو قراءة استثنائية للحرب الباردة وصراع الشرق والغرب من نهاية الأربعينيات حتى أواسط الستينيات، لا يهتم بالتفاصيل السياسية بقدر ما يهتم بتأثير ذلك النزاع على الحياة الداخلية للشخوص ونفسياتها وأحلامها، شخصيتا زولا وفيكتور هما حصيلة التناقض وضياع الهوية والاغتراب الذاتي الذي سببه ذلك النزاع الدولي و انعكاس لحالة مجتمع بولندا بأكمله.

بافيلكوفسكي يفتتح فيلمه في الريف البولندي عشية الحرب الكونية، فرقة مسرحية تجري منافسة لاختيار أفضل المغنيين الشعبيين للمشاركة بعرض مسرحي فلكلوري بولندي، يعطيك ملامح بلد هدته الحرب ويحاول الوقوف على قدميه مجدداً وأحياء الروح القومية بسكانه من خلال العودة للجذور حتى يستطيع أن ينهض، ولكن وقوعه ضحية الصراع الكوني البارد يعيقه باستمرار، الجو السياسي يفرض نفسه على الفيلم منذ البداية وبافيلكوفسكي يعرف كيف يعبر عنه برمزية قوية، أحد منظمي المسابقة يقف أمام بيت أحد الاقطاعيين السابقين ويشرح للفلاحيين البسطاء إن هذا المنزل أصبح منزل الشعب ولكن لن يدخله سوى النخبة الفائزين بالمسابقة، تعبير ذكي جداً عن حالة التحول بعد سيطرة المد الشيوعي على بولندا، غابت طبقة النخبة الارستقراطية وحلت بدلاً عنها النخبة الشيوعية بقوانينها الخاصة التي لم تختلف سوى بظاهرها عن قوانين التفوق الرأسمالية وبقيت العدالة والمساواة فيها غائبة، وفي مشهد آخر وبعد نجاح الفرقة يتدخل الحزب الشيوعي ليحول عمل الفرقة من أحياء للتراث البولندي إلى أداة إعلامية للحلف الشرقي طامسةً تماماً الهوية البولندية ومتحكمةً باهتمامات الشعب وولاءه وطموحاته.
شخصية زولا هي تعبير عن الجيل الذي نشأ في ظل سطوع الشيوعية، فيها شيء من الموهبة والكثير من الوصولية، هي أبنة زمانها، تعرف كيف تستغل إحدى المتسابقات لتفوز بالمسابقة، وتغوي فيكتور لتقوي مركزها، ولكن العلاقة بينهما تأخذ منحى حب حقيقي، زولا بماضيها المربك تجد بالشيوعية سبيل لتبدأ من جديد، ولا تمانع من القيام بأي شيء لكي تنجح حتى ولو اضطرت للتجسس على حبيبها، فيكتور شيء آخر، لم يعد يستحمل التدخلات الحكومية بفنه ووصول الأمر لحد مراقبته فقرر الهرب بصحبة زولا، هي خذلته ولم تهرب، لم تكن على استعداد بعد أن لمست النجاح أن تبدأ من الصفر، تغلبت على عاطفتها وتخلت عن فيكتور بعد أن غدا غير مفيد واتجهت لغيره لتصنع مجدها، ثم لحقت به لاحقاً بطريقة أمنة وقانونية محافظةً على خط الرجعة، ولا يحدث ذلك إلا بعد أن بدأ فيكتور يعود للسطوع مجدداً في فرنسا ويصبح قادراً على الأخذ بيدها من جديد.
في باريس يقدم بافيلكوفسكي نظرة غير اعتيادية للمعسكر الغربي وللحالة البولنديين بعد الهرب إلى هناك، هم لم يعثروا على الراحة والهدوء والنعيم الذي توقعوه، فيكتور أصبح شخص آخر، حر ولكن مهلهل وضعيف وخابي النجم مجرد موسيقي اعتيادي يتملق النخبة المثقفة، العلاقة بينه وبين زولا انهارت وكان من المتوقع جداً لشخصية وصولية أن تعود إلى مكان نجوميتها الأصلي زولا في فرنسا تكتشف أن عليها أن تقوم بكل ما قامت به سابقا في بولندا حتى تحظى بالنجومية التي تركتها، عليها أن تبدأ من الصفر، أن تضع ماضيها المخجل تحت الأضواء، أن تنافق وتبيع جسدها، تكرار هذا النمط يجعل الحياة غير قابلة للاحتمال فتعود بعد أن أدركت إن ما تسعى إليه غير موجود.
الفيلم يقدم حالة حب جميلة جداً، يلعب بمنطقة بين تصوراتنا عن الحب وحقيقته، فيكتور أحب زولا حب حقيقي وانتظرها ولحقها وفعل كل شيء لأجلها، زولا أمر اخر، مشاعرها مختلطة، بدايةً باستغلال الفنان للنجاح، ثم الافتتان به وشهرته وتكوين ما يشبه الحب، حب كان قوي جداً في البعد بسبب حالة من تأنيب الضمير عند زولا و حنين للوطن عند فيكتور، حين اللقاء لا يمنح القدر العاشقين الحياة المثالية التي توقعاها، الحياة قاسية جداً، في الوصال وزوال أضواء الشهرة بانت عيوب الشخصيات لبعضهما، انخلع عنهم القناع وبانت وجوههم الحقيقية، فيكتور لم يعد جذاباً بالنسبة لزولا ولم تحظى هي بالحياة التي حلمت بها، وفيكتور كشف وصولية زولا وقسوتها، ذكرته بقسوة الوطن الذي هرب منه، لم تعد تلك الفتاة المثالية كما ظهرت له حين كانت تتودد له لتصعد على الشهرة لأنه لم يعد قادراً على أن يقدم لها شيء، وبعد الفراق عاد الحب مجدداً، فيكتور ضحى بكل شيء ليعود إليها – إلى وطنه – ربما يحظيان بالسعادة التي تاقا إليها، الذنب عاد يوقد مشاعر الحب لدى زولا بعد أن لمست مدى صدق مشاعر فيكتور وإلى أي مدى مستعد أن يضحي لأجلها.
بافيلكوفسكي ساحر هنا بصورته، الأبيض والأسود وهدوء المكان الذي صنع لإيدا جواً عظيماً يعيد استخدامه هنا بنفس التألق، يجعل فيلمه قطعة كلاسيكية هاربة من حقبة الحرب الباردة، استخدام الظلال والنور وزواية التصوير ومزاوجتها بالمشاهد المسرحية صنع لوحات جمالية أخاذة مع حركة كاميرا هادئة بسيطة، بافيلكوفسكي يصنع عملاً مبهج جداً للعين بأكثر الوسائل السينمائية أصالة وكلاسيكية، يعطيه جو المكان وعاطفة العلاقة، مع مونتاج مميز، تصميم كلاسيكي للأماكن، وأداءات جبارة من جوانا كويلايغ وتوماسز كوت ، وشريط صوت من أجمل ما يكون. 
الموسيقى في الفيلم تلعب دور البطولة الرئيسي، هناك تعبير عظيم عن الزمن وتبدلاته من خلال الموسيقى، يبدأ بموسيقى شعبية بولندية تتحول إلى دعاية إيديولوجية للنظام الشيوعي، ثم تأتي مرحلة ويطغى الفلكلور الروسي على البولندي وتدخل لاحقاً موسيقى أمريكا اللاتينية في فترة صعود المد الشيوعي هناك مع كاسترو وتشي غيفارا، على نفس المستوى يصنع الجو الموسيقي في فرنسا، بدءً من الجاز والكلاسيكي ثم ملامح التحول نحو الروك في نهاية الخمسينيات، الجو الموسيقي للعمل مبهر جداً، تشكيلة عذبة من الألحان الموسيقية من مختلف الثقافات واللعب على ثيمة معينة لأغنية روسيا شهيرة لتحويلها من غناء الكورال إلى الكلاسيكي بالبولندي والفرنسي.
نهاية الفيلم فيها دعوة للعودة إلى الجذور، بولندا من خلال شخصيتا فيكتور وزولا بلد ضاعت هويته بين شرق وغرب، لم يعرف السعادة هنا ولا هناك، و لم يبقى منه شيء سوى أطلال، قسوة السياسة دمرته وطمرت بقاياه، تركته مشوه وفارغ، وبقيت الشخصيات تبحث عن مكان أفضل لترى منه الأمور بشكل أجمل بشكل صحيح كما كانت مسبقاً.